هل يلزم الطالب أن يحضر إلى الجامعة كل يوم في زمن الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي أخرج من القاعة الشرح الأول للمادة، وأبقى فيها ما لا يقدر عليه. فالحضور لتلقي الشرح يفقد مبرره، والحضور لما لا تفعله الآلة صار ألزم.
طالبان وأداة واحدة
في تجربة أجراها باحثون من جامعة بنسلفانيا على نحو ألف طالب رياضيات في مدارس ثانوية تركية، قُسّم الطلاب ثلاث مجموعات. الأولى ذاكرت بالطرق المعتادة. والثانية استخدمت نموذج ذكاء اصطناعي مفتوحاً يجيب عن أي سؤال. والثالثة استخدمت النموذج نفسه، لكنه ضُبط ليعطي تلميحات لا أجوبة.
في التمارين تفوقت المجموعة الثانية على الأولى بنسبة ٤٨%. ثم جاء الاختبار، بلا آلة، فكانت نتيجتها أسوأ من المجموعة الأولى بنسبة ١٧%. أما المجموعة الثالثة، فتفوقت في التمارين بنسبة ١٢٧%، وجاءت في الاختبار كالمجموعة الأولى تقريباً.
الأداة واحدة، والنتيجتان متعاكستان. الفرق لم يكن في التقنية، بل في الطريقة التي تعلّم بها الطالب.
والتجربة أُجريت على طلاب ثانوي، لكن سؤالها هو سؤال الجامعة اليوم. فإذا كانت الآلة تشرح وتجيب في أي ساعة، فلماذا يقطع الطالب المسافة كل صباح ليجلس في القاعة؟
حجة من يطالب بحضور أقل
الحجة جادة، ويتكرر طرحها في كل بيت فيه طالب جامعي، وتستحق أن تُعرض بأقوى صورها. المحاضرات تُسجَّل منذ سنوات، والطالب يستطيع أن يعيدها ويسرّعها ويوقفها. والآلة اليوم تشرح المفهوم بعشر طرق حتى يفهمه، ولا تملّ من السؤال الحادي عشر. والوقت الذي يقضيه الطالب في الطريق ثم في قاعة يسمع فيها شرحاً كان يمكن أن يسمعه في بيته، وقتٌ ضائع.
بل إن الأدلة تسند هذه الحجة في نقطة محددة. في تجربة محكمة بجامعة هارفارد نُشرت العام الماضي، شملت ١٩٤ طالباً في مقرر فيزياء تمهيدي، حقق الطلاب الذين تعلموا الدرس مع معلم آلي مصمم بعناية أكثر من ضعف مكاسب التعلم التي حققها زملاؤهم في محاضرة تفاعلية جيدة، وفي وقت أقل.
إذن هل انتهى أمر القاعة؟
ما الذي قاسته التجربتان فعلاً
لم ينته. فالباحثون في هارفارد أنفسهم حددوا أين تنجح الآلة: في الاحتكاك الأول بالمادة، أي الفهم والتطبيق الأولي. ولم يدّعوا أنها تتفوق في التفكير المركّب ولا في النقد. وأوصوا صراحة بأن يتعلم الطالب المادة مع الآلة قبل المحاضرة، وأن يُخصَّص وقت القاعة للمهارات الأعلى.
ونجاح الآلة كان مشروطاً بتصميمها. فالمعلم الآلي في هارفارد لم يكن نموذجاً مفتوحاً، بل نظاماً كتب له الأساتذة تعليمات لكل سؤال، ويقود الطالب خطوة خطوة. وهذا بالضبط ما يربط التجربتين: الآلة التي تعطي الجواب تضر، والآلة التي تقود إليه تنفع.
ولهذا اسم في علم التعلم. منذ عقود يتحدث روبرت بيورك وإليزابيث بيورك عن «الصعوبات المرغوبة»: التعلم الذي يبقى يحتاج جهداً، والتسهيل الذي يرفع الأداء اليوم قد يضر بالتذكر غداً. وما رأيناه في التجربة التركية هو هذا تماماً، بالأرقام.
الآلة لا تعلّم وحدها، بل تعزل أيضاً
وهنا يعود سؤال الحضور من باب آخر. في أغسطس الماضي أصدرت لجنة في معهد ماساتشوستس للتقنية تقريراً عن الذكاء الاصطناعي في التعليم، حذّر من «الاستسلام المعرفي»: أن يلجأ الطالب إلى الآلة عند أول بادرة صعوبة، فيحصل على وهم التعلم. ورصد التقرير شيئاً أبعد من ذلك. الآلة غيّرت ثقافة الحرم الجامعي نفسها، فعزلت طلاباً تركوا الساعات المكتبية، وكفّوا عن المذاكرة مع زملائهم.
وما يخسره هؤلاء ليس قليلاً. في مسح بريطاني شمل أكثر من ثمانية عشر ألف طالب في ١٧٨ مؤسسة، بلغت نسبة من يشعرون بالوحدة يومياً ٤٤% بين من لا أصدقاء لهم، مقابل ١٣% بين من لهم أصدقاء في مقررهم وخارجه.
ثم هناك الرقم الأقدم والأثبت. تحليل جمع ٥٤ دراسة وجد أن حضور المحاضرات من أقوى المؤشرات المعروفة على درجات الطالب الجامعي، بل وصفه أصحابه بأنه أقوى من أي مؤشر معروف آخر، بما فيه اختبارات القبول ومعدل الثانوية. والارتباط لا يعني بالضرورة السببية، فقد يحضر المجتهد لأنه مجتهد. لكنه يكفي ليجعلنا نتريث قبل أن نعلن أن الحضور لم يعد مهماً.
حضور أقل؟ لا، حضور أثقل
الصورة إذن ليست نعم أو لا. الذكاء الاصطناعي أخرج من القاعة جزءاً من وظيفتها، وهو الشرح الأول للمادة، وقد يؤديه أحسن مما كنا نؤديه. لكنه أبقى فيها كل ما لا يقدر عليه: المجاهدة مع مسألة لا جواب جاهزاً لها، والنقاش الذي يكشف أين يخطئ الفهم، والدفاع عن الفكرة أمام من يعترض عليها، والانتماء إلى جماعة تتعلم معاً.
فالحضور لتلقي الشرح وحده يفقد مبرره التربوي فعلاً. أما الحضور لما لا تفعله الآلة، فصار ألزم من أي وقت. وهذا لا يعني أن يُختصر الحضور المقرر، بل أن يُملأ بما يستحقه، فلا يخرج الطالب من القاعة بما كان سيجده في بيته.
وهذا يعني أن المطلوب ليس أن يحضر الطالب أقل، بل أن يكون حضوره أثقل. والقاعة التي ما زالت تقضي وقتها في الشرح هي التي تعطي الطالب سبباً للغياب.
وكيف تبدو القاعة الأثقل؟ في مقرر المحاسبة، لا يشرح الأستاذ قاعدة القيد المزدوج، بل يضع أمام الطلاب قيوداً فيها أخطاء مقصودة ويطلب منهم أن يجدوها ويدافعوا عن تصحيحها. وفي مقرر القانون، لا يُلقى نص المادة، بل تُعرض قضية ويُقسم الطلاب إلى طرفين. وفي مقرر البرمجة، لا يُكتب البرنامج على السبورة، بل يُعطى الطلاب برنامجاً كتبته الآلة فيه علّة خفية، ويُسألون: لماذا أخطأت؟
في كل هذه الأمثلة يحضر الطالب لأن غيابه يعني خسارة شيء لن يجده في التسجيل. وفي كلها يحتاج أن يكون قد فهم الأساس قبل أن يدخل، وهنا تحديداً تخدمه الآلة.
أسبوع الطالب: قبل وبعد
هذه ثلاث استراتيجيات للطالب، لكل منها موضعها من الأسبوع، وكلها مستخرجة من التجارب السابقة.
قبل المحاضرة: تعلّم الشرح مع معلم يسأل ولا يجيب. اطلب من الآلة أن تشرح لك المفهوم، ثم أن تختبرك فيه بأسئلة متدرجة، وألا تعطيك الجواب قبل أن تحاول. يكفي أن تكتب لها في أول المحادثة: «أنت معلم، لا تعطني الجواب، أعطني تلميحاً واحداً في كل مرة». وهذا جوهر الفرق بين المجموعتين في التجربة التركية.
بعد المحاضرة: تمرّن بلا آلة. أغلق الأداة، واكتب من ذاكرتك ما فهمته، وحلّ مسألة دون مساعدة. سيكون ذلك أصعب، وهذه الصعوبة هي التعلم نفسه. وإن أردت أن تعرف هل فهمت حقاً، فاشرح الفكرة بصوت عالٍ لزميل، أو لنفسك، دون أن تنظر في شيء. ما تعجز عن شرحه لم تتعلمه بعد، مهما بدا مألوفاً حين قرأته.
في الحرم: احمل إليه ما استعصى عليك. المسألة التي لم تُحل، والفكرة التي لا تقتنع بها، والسؤال الذي لم تجد له جواباً. هذا ما تُبنى عليه ساعة القاعة وساعة الأستاذ ومذاكرة الزملاء.

سؤال قبل أن تغلق الصفحة
إن كنت طالباً: لو أُلغيت محاضرة الغد، ما الذي ستخسره ولا تجده في التسجيل؟ إن كان الجواب «لا شيء»، فالمشكلة ليست في حضورك، بل في المحاضرة.
وأقوى اعتراض على هذا الطرح عملي. هذه تجارب في جامعات مقتدرة وبمعلمين آليين صُمموا بعناية، فكيف تُطبَّق في قاعة فيها مئتا طالب؟ ومن يضمن أن يذاكر الطالب قبل المحاضرة أصلاً؟ والاعتراض صحيح في نصفه. التحول لا يحتاج معلماً آلياً مصمماً لكل درس، بل يحتاج ابتداءً أن تكفّ القاعة عن تكرار ما يجده الطالب في غيرها. ولا يُترك للطالب وحده، بل يُربط بأنظمة الحضور المعتمدة وبما تتيحه أنظمة التعليم المدمج.
وهناك اعتراض آخر من جهة العدل. الطالب الذي يعمل ليعيل أسرته، أو يسكن بعيداً عن الحرم، يرى في الحضور اليومي كلفة لا يتحملها غيره. والقاعة الأثقل لا تنفي حقه، بل تخدمه. فإن صار الشرح متاحاً له في بيته، في الساعة التي تناسبه، صار حضوره مخصصاً لما يستحق المسافة. قد لا يقل عدد أيامه في الحرم، لكنه لن يقطع الطريق بعد اليوم ليسمع ما كان يمكن أن يسمعه في بيته.
ويبقى ما لا أملك له جواباً كاملاً. هذا التحول يفشل إن لم يتغير التقويم معه. فما دام الطالب يُقيَّم على واجب يحله في بيته، سيعامل الآلة طريقاً مختصراً، ويعامل القاعة عبئاً. والحضور الأثقل يحتاج تقويماً يكافئه.
المصادر
- وارتون، جامعة بنسلفانيا، الذكاء الاصطناعي التوليدي بلا ضوابط قد يضر بالتعلم، عرض لدراسة باستاني وزملائه المنشورة في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم ٢٠٢٥. يسند تصميم التجربة التركية ونسب ٤٨% و١٧% و١٢٧%. https://knowledge.wharton.upenn.edu/article/without-guardrails-generative-ai-can-harm-education
- كيستن وزملاؤه، مجلة ساينتفك ريبورتس، التعليم بالمعلم الآلي يتفوق على التعلم النشط في القاعة، ٣ يونيو ٢٠٢٥. يسند عدد الطلاب، ومكاسب التعلم التي تزيد على الضعف في وقت أقل، وحدود النتيجة وتوصية الباحثين باستخدام الآلة قبل المحاضرة. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12179260/
- إليزابيث بيورك وروبرت بيورك، جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، الصعوبات المرغوبة في تعزيز التعلم، ٢٠١١. يسند مفهوم الصعوبات المرغوبة. https://bjorklab.psych.ucla.edu/wp-content/uploads/sites/13/2016/04/EBjork_RBjork_2011.pdf
- بوسطن دوت كوم، تقرير معهد ماساتشوستس للتقنية يحذر من الاستسلام المعرفي، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦. يسند تاريخ التقرير، ومفهوم الاستسلام المعرفي ووهم التعلم، وعزل الطلاب عن الساعات المكتبية والمذاكرة الجماعية. https://www.boston.com/news/education/2026/09/15/mit-report-warns-ai-cognitive-surrender-universities/
- وونكي، تقرير «للأصدقاء فوائد»، ٢٠٢٦. يسند حجم العينة وعدد المؤسسات، ونسبتي الوحدة اليومية ٤٤% و١٣%. https://wonkhe.com/wp-content/wonkhe-uploads/2026/05/Friends-have-benefits-May-2026.pdf
- كريدي وروخ وكيشتشينكا، مجلة مراجعة البحث التربوي، تحليل جامع لحضور المحاضرات والدرجات، ٢٠١٠، كما أعاد تحليله مشروع ميتافور. يسند عدد الدراسات، وقوة الارتباط بين الحضور والدرجات، ومقارنته بالمؤشرات الأخرى، وأن الارتباط لا يثبت السببية. https://metafor-project.org/doku.php/analyses:crede2010