الحوكمة

13 ربيع الآخر 1448هـ 24 سبتمبر 2026م 5 دقائق قراءة

شجاعة الثلاثين عاماً

الشجاعة في سيرة الملك عبدالعزيز تُروى في ليلة واحدة، لكن الذي أقام الدولة كان القرار الممتد تحت غموض لا يُقاس.

شجاعة الثلاثين عاماً

ليلة واحدة

في فجر الخامس من شوال ١٣١٩، الموافق الخامس عشر من يناير ١٩٠٢، دخل شاب في الحادية والعشرين من عمره مع أربعين رجلاً من أقاربه وأتباعه مدينةً لم تكن له، وخرج منها بعد ساعات حاكماً لها.

المشهد يُروى كل سبتمبر، ويستحق أن يُروى. فيه ما يُحرّك القلب قبل العقل: فتى بلا مال ولا جيش، ومدينة سُلبت من أهله قبل عشر سنين، وليلة واحدة أعادت الأمر إلى نصابه. وهوية اليوم الوطني هذا العام، السادس والتسعين، تحتفي بالطباع التي صنعت هذه البلاد، والشجاعة في صدارتها.

لكن بين تلك الليلة وبين إعلان توحيد المملكة في الثالث والعشرين من سبتمبر ١٩٣٢ ثلاثون عاماً. وهذه السنوات الثلاثون هي التي أقامت الدولة، لا الساعات التي أقامت الإمارة. والسؤال الذي لا يجيب عنه مشهد المصمك: أي نوع من الشجاعة يحتمل ثلاثين عاماً؟

الرواية كما هي

الرواية المشهورة صحيحة. لكنها، حتى في تفاصيلها، ليست رواية اندفاع.

فقد سبقتها محاولة أخفقت، وتردّدٌ من الإمام عبدالرحمن الذي رأى أن الظرف غير مواتٍ، ثم إلحاحُ الابن على محاولة ثانية. ودخل الرياض بخطة صريحة قامت على تجنّب المواجهة المباشرة مع قوة تفوقه عدداً وعدة وتدريباً. ثم، في الأسابيع التي تلت، انشغل ببناء سور المدينة وتحصينها.

أي أن الليلة التي تُروى بوصفها مغامرة كانت في حقيقتها محاولة ثانية مدروسة بعد فشل أول. وهذا التمييز ليس تفصيلاً، لأنه يفتح الباب إلى سؤال أعمق: ما الذي يفعله القائد حين لا تكون المسألة خطراً يواجهه في ساعة، بل غموضاً يعيش فيه سنوات؟

ما يُقاس وما لا يُقاس

في عام ١٩٢١ نشر الاقتصادي فرانك نايت كتابه «المخاطرة واللايقين والربح»، وفرّق فيه تفريقاً صار أساساً في أدبيات القرار: المخاطرة حالة يمكن تقدير احتمالاتها، أما اللايقين فحالة لا تقبل القياس أصلاً، لأن الموقف فريد لا يوجد له نظائر تُبنى عليها إحصاءات.

وخلاصة نايت أن أداة التعامل مع المخاطرة هي الحساب، أما أداة التعامل مع اللايقين فهي الحكم، وهي قدرة موزّعة بين الناس توزيعاً غير متساوٍ.

والفرق بينهما عملي لا لفظي. فالمخاطرة يمكن التحوّط منها وتوزيعها وتسعيرها، ولهذا قامت عليها صناعات كاملة. أما اللايقين فلا يُشترى له غطاء، ولا يُقنع صاحبه بجدول احتمالات، ولا يبقى أمامه إلا أن يقرر وهو يعلم أنه قد يكون مخطئاً، ثم يتحمل السنوات التي تفصله عن الجواب.

بهذا التمييز يتغير معنى المصمك. اقتحام الحصن مخاطرة عالية، لكنها مخاطرة قصيرة تُحسم قبل الظهيرة، ونتيجتها تُعرف في يومها. أما ما جاء بعدها فمن النوع الآخر تماماً: قرارات لا تظهر نتائجها إلا بعد سنين، ولا تملك وقتها ما يكفي من المعطيات لتحسبها.

ثلاثون عاماً وخمس سنوات

بعد الرياض جاءت جنوب نجد والوشم في العام نفسه، والقصيم عام ١٩٠٤، والأحساء عام ١٩١٣، وعسير عام ١٩١٩، وحائل عام ١٩٢١، والحجاز عام ١٩٢٥. ثم جاء إعلان التوحيد عام ١٩٣٢. ثلاثون عاماً من مرحلة إلى مرحلة، كل واحدة منها قرار لا يعرف صاحبه نتيجته حين يتخذه.

ثم تكرر النمط في ميدان آخر تماماً. ففي التاسع والعشرين من مايو ١٩٣٣ وُقّعت اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط لمدة ستين عاماً، مقابل قرض مقداره خمسون ألف جنيه ذهبي على دفعتين، وإيجار سنوي خمسة آلاف جنيه، ونصيب من كل طن يُستخرج إن استُخرج.

والشرط الأخير هو موضع اللايقين كله. فقد حُفرت ست آبار دون أن تبلغ مكمناً، وامتدت أعمال البحث خمس سنوات بين أمل ويأس، حتى تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم ٧ في مارس ١٩٣٨، على عمق يقارب ألفاً وأربعمئة متر.

خمس سنوات من الإنفاق على حفرٍ لا يعد أحد بنتيجته. هذه ليست شجاعة اقتحام، بل شجاعة انتظار. وهي أشق، لأن الاقتحام ينتهي، أما الانتظار فيتجدد كل صباح.

أشجع ما يفعله المنتصر

يبقى الموضع الذي أراه أكثر دلالة من هذا كله، وهو نص الوثيقة التي نحتفل بذكرى إعلانها.

الأمر الملكي رقم ٢٧١٦ لم يكتفِ بتحويل اسم الدولة. فمادته السادسة تأمر مجلس الوكلاء بالشروع حالاً في وضع نظام أساسي للمملكة، ونظام لتوارث العرش، ونظام لتشكيلات الحكومة، وعرضها لاستصدار الأوامر فيها. ومادته الثالثة تنص على ألا يكون لهذا التحويل أثر على المعاهدات والالتزامات الدولية ولا على العقود الفردية القائمة.

وهذه ليست بداية. فقبلها بسنوات افتُتح مجلس الشورى في الحجاز، وصدرت «التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية» عام ١٩٢٦، ونصّت على تقييد إدارة الملك بأحكام الشرع، وعلى إنشاء الشُّعب والمجالس.

أن يصدر قائدٌ في ذروة انتصاره أمراً يُلزم فيه حكومته بوضع نظام لتوارث العرش، أي بترتيب ما بعده وهو حي، ثم يطمئن المتعاقدين والدول إلى أن التزاماتهم باقية رغم زوال اسم الدولة القديم، فذاك قرار من طراز آخر. إنه يستبدل بسلطة شخصية لا حدّ لها سلطةً مكتوبة لها حدود.

والمنتصرون في التاريخ لا يفعلون هذا عادةً. فالانتصار يغري صاحبه بأن يبقى هو النظام، وأن تكون كلمته هي المرجع، لأن ذلك أسرع وأقل كلفة في حينه. والثمن يظهر بعد رحيله، حين لا يجد الناس ما يرجعون إليه. أما كتابة النظام فتقيّد الكاتب أولاً، وتُبقي بعده ما يعمل دونه. وهذا، في تقديري، أقرب معاني الشجاعة إلى البناء وأبعدها عن العرض.

ثلاثة مبادئ

المحاولة الثانية تحتاج خطة جديدة لا عزماً أكبر

بعد الإخفاق الأول لم تتغير الغاية، بل تغيّرت الطريقة: تجنّب المواجهة المفتوحة، وعدد أصغر، ودخول ليلي. والفشل الذي يُعالج بمضاعفة الحماس وحدها يتكرر، والذي يُعالج بتغيير التصميم يُستدرك. والسؤال الصحيح بعد أي إخفاق ليس: هل نعاود؟ بل: ما الذي سنغيّره حين نعاود؟

حوّل الانتصار إلى نظام قبل أن يبرد

اللحظة التي يكون فيها القبول أعلى ما يكون هي لحظة النجاح. وفيها تُكتب الأنظمة التي يصعب كتابتها لاحقاً. والأمر ٢٧١٦ فعل ذلك في يومه، ولم يؤجله إلى ما بعد الاحتفال. والقاعدة عامة: النظام الذي يُكتب عقب نجاح يمر، والذي يُكتب عقب أزمة يُقاوَم، لأنه يُقرأ بوصفه اتهاماً لا ترتيباً.

افصل ما يُحسب عمّا لا يُحسب

قبل حفر البئر السابعة كانت الأرقام كلها ضد الاستمرار. لكن الأرقام كانت تصف ما مضى، لا ما تحت الأرض. وفي مثل هذه المواضع لا يُطلب من الحساب ما لا يقدر عليه، بل يُمنح الحكم لمن يملك الخبرة، ويُصبر على المدة التي يحتاجها. والفشل هنا احتمال قائم، لا عيب في التصميم. والفارق بين مؤسسة تتعلم وأخرى تجمد أنها تعرف أي قراراتها من هذا النوع، فلا تحاسبه بمقياس القرارات التي تُحسب.

الليلة تُروى لأنها تُروى بسهولة. أما الثلاثون عاماً فلا تُروى، لأنها لا تُختصر في مشهد، ولا يصلح لها هتاف. وهي التي وصلت إلينا.

شارك المقال
كل المقالات