التشغيل الطبي

17 ربيع الآخر 1448هـ 28 سبتمبر 2026م 6 دقائق قراءة

التشغيل الطبي: العقد قبل الملكية

التوسع في تشغيل المرافق الصحية عبر القطاع الخاص يطرح سؤالاً أدق من «خاص أم حكومي»، وثلاث تجارب دولية تجيب عنه.

أين نحن الآن

في مايو ٢٠٢٦ أعلنت وزارة الصحة ووزارة الدفاع والمركز الوطني للتخصيص بدء مرحلة إبداء الرغبات والتأهيل لمشروع رعاية أمراض الكلى المزمنة والغسيل الكلوي الوطني، بنموذج شراكة بين القطاعين يمتد ست سنوات في شقه السريري، مقسّماً إلى أربع حزم تستهدف نحو ١١٥٠٠ مستفيد. ونطاق الشريك في هذا المشروع واسع: المرافق والمعدات وتقنية المعلومات والكوادر الطبية والإدارية وإدارة الخدمات السريرية وغير السريرية.

وفي الفترة نفسها اختُتمت المرحلة الثانية من انتقال منسوبي وزارة الصحة إلى سبعة تجمعات صحية، وشملت أكثر من ٦٨ ألف موظف وموظفة، ضمن تحوّل أعمق يفصل أدوار التنظيم والتمويل والتقديم: الوزارة منظّماً، والصحة القابضة مقدّماً عبر التجمعات، ومركز التأمين الصحي الوطني ممولاً. والهدف المعلن في برنامج التحول الصحي خصخصة نحو ٢٩٠ مستشفى بحلول ٢٠٣٠.

أي أننا لسنا في بداية نقاش التشغيل الطبي، بل في منتصف أكبر إعادة ترتيب لطريقة تقديم الخدمة الصحية في تاريخ المملكة.

ما هو التشغيل الطبي

يُستعمل المصطلح للدلالة على أشياء متفاوتة، والخلط بينها مصدر كثير من الجدل.

في أبسط صوره، تعاقد على خدمات مساندة: التغذية والنظافة والصيانة والأمن. وفي صورة أوسع، تعاقد على خدمة سريرية بعينها: المختبر أو الأشعة أو الغسيل الكلوي. وفي صورة أشمل، تشغيل مرفق كامل بكادره وإدارته، مع بقاء ملكية المبنى والتمويل حكوميين. وفي أقصاها، عقد سكاني يتولى فيه المشغّل رعاية سكان منطقة كاملة مقابل مبلغ عن كل فرد.

والفرق بين هذه الصور ليس في الحجم فقط، بل في نوع المخاطرة المنقولة إلى المشغّل، وفي صعوبة قياس ما اشتريته منه. فعقد النظافة يُقاس بالمعاينة، ونتيجته ظاهرة لمن يدخل المبنى. أما عقد رعاية سكان منطقة فنتيجته تظهر بعد سنوات في مؤشرات مثل ضبط السكري وارتفاع الضغط ومعدلات الدخول المتكرر، ولا تُعرف إلا ببيانات منتظمة وجهة قادرة على قراءتها. ومن هنا يبدأ الدرس الذي تقدّمه التجارب الدولية.

وصف الصورة

ثلاث تجارب وثلاثة دروس

السويد. مستشفى سانت يوران في ستوكهولم مستشفى عام يعالج المرضى بتمويل حكومي، ويديره مشغّل خاص منذ التسعينيات. وتقرير مقارن أُعدّ لجهة حكومية بريطانية يذكر أن الجهة الحكومية تدفع له أقل من التعرفة المرجعية بنحو ١٠٪، وأن إجمالي وقت المريض في الطوارئ أقل من متوسط نظرائه بنحو ١٣٪، ووقت الوصول إلى الطبيب أقل بنحو ٤٦٪، مع رضا مماثل أو أفضل. وفي يناير ٢٠٢٦ انتقل المشغّل إلى عقد جديد مدته ثماني سنوات قابلة للتمديد.

والدرس هنا ليس أن الخاص أكفأ. الدرس أن العقد الذي يُعاد التنافس عليه دورياً يبقى منضبطاً، لأن المشغّل يعلم أن بقاءه مرهون بنتيجته.

إسبانيا. نموذج ألثيرا في إقليم فالنسيا هو أشهر تجربة تشغيل متكامل بالدفع عن كل مواطن. بدأ عام ١٩٩٩، وامتد إلى الرعاية الأولية عام ٢٠٠٣، وصار حالة دراسية عالمية في تكامل الخدمة. ثم قررت السلطة الصحية في الإقليم عام ٢٠١٨ إنهاء الامتياز والعودة إلى التقديم الحكومي المباشر، وتبعه قانون يجعل التقديم العام هو الأصل ويشدد شروط أي شراكة قادمة.

والمفارقة أن مؤشراته السريرية عند التسليم كانت جيدة بشهادة تقارير الرقابة المالية في الإقليم. لكن ما أسقطه أمور خارج غرفة العمليات: إعادة التفاوض على شروط العقد عام ٢٠٠٣ بما رفع المدفوعات وأضعف الرقابة، وغياب الشفافية، وفوز شركة واحدة بمعظم المناقصات حتى شككت جهة المنافسة في وجود تنافس أصلاً.

والدرس أن جودة الخدمة لا تحمي عقداً فقد شرعيته ورقابته.

تركيا. أنتج برنامج مستشفيات المدن طاقة استيعابية ضخمة في وقت قصير، ووجدت دراسة محكّمة نُشرت هذا العام باستخدام تحليل مغلّف البيانات أن هذه المستشفيات حققت كفاءة أعلى مما كانت عليه تحت الإدارة التقليدية. لكن الكلفة المالية سارت في اتجاه آخر: قُدّرت ضمانات الدخل الممنوحة لمستشفيات المدن بنحو ٨١ مليار دولار تُدفع بين ٢٠٢١ و٢٠٤٥، ودفعت وزارة الصحة لمشغّلي ثمانية عشر مستشفى نحو ٢.٤٥ مليار دولار في عام ٢٠٢٥ وحده.

والدرس أن الكفاءة التشغيلية والكلفة على الميزانية سؤالان منفصلان. والتجربة قد تنجح في الأول وتخفق في الثاني.

السؤال الصحيح

تُختصر هذه التجارب عادةً في سؤال: هل الخاص أكفأ من الحكومي؟ وهو سؤال لا تجيب عنه إجابة حاسمة، لأن نتائجها متعارضة.

أما السؤال الذي تجيب عنه بوضوح فهو: ما الذي يجعل عقد التشغيل ينجح؟ والجواب يتكرر في ثلاثة شروط.

الأول قدرة الجهة الحكومية على الشراء: أن تعرف ما تشتريه بالضبط، وأن تملك البيانات التي تقيس به التنفيذ. والثاني بقاء السوق قابلاً للمنافسة: وجود أكثر من مشغّل جاد قادر على الدخول، وإمكان استبدال المتعاقد دون انهيار الخدمة. والثالث ارتباط الدفع بالنتائج لا بالمدخلات وحدها.

وحيث اختل شرط من الثلاثة، ظهر الخلل حتى مع مشغّل كفء، كما في فالنسيا. وحيث اكتملت، صمد العقد ثلاثة عقود، كما في ستوكهولم.

ومن هنا الادعاء الذي أطرحه: المخاطرة الكبرى في توسعنا الحالي ليست في كفاءة المشغّلين، بل في أن تسبق العقود طويلة الأجل نضجَ قدرة الشراء داخل الجهات الحكومية. فالعقد الذي يمتد عشرين عاماً يُكتب مرة واحدة، ثم نعيش داخله عشرين سنة.

وقد يقال إن هذا التشدد ترف لا يحتمله الوقت، وأن التوسع الصحي مطلوب الآن لا بعد أن تكتمل قدرة الشراء، وأن انتظار النضج التعاقدي يعني حرمان مرضى اليوم من خدمة يحتاجونها. والاعتراض وجيه، والحاجة حقيقية. غير أن ما تقترحه التجارب ليس التأجيل، بل تقصير آجال العقود الأولى وتقسيمها إلى حزم قابلة للاستبدال، وهو ما يسمح بالتوسع الآن وبالتصحيح بعد ثلاث سنوات بدل عشرين. وقد فعل مشروع الغسيل الكلوي شيئاً من هذا حين قسّم نطاقه إلى أربع حزم.

قيد الكوادر

يبقى قيد لا يعالجه العقد مهما أُحكم: المشغّل لا يأتي بالكوادر من العدم.

تجاوز عدد الممارسين الصحيين المسجلين في المملكة ٨٠٠ ألف ممارس، منهم أكثر من ٤٦٠ ألف سعودي. وفي التمريض والقبالة ٢٩٠ ألف ممارس، منهم نحو ١١٠ آلاف سعودي، أي نحو ٣٨٪ ارتفاعاً من ٣٠٪ عام ٢٠١٨. ونسبة الأطباء السعوديين ارتفعت من ٣١٪ إلى ٤٠٪ في المدة نفسها.

هذه أرقام نمو حقيقي. لكنها تعني أيضاً أن المشغّل الجديد سيوظف من السوق نفسها التي توظف منها الجهة الحكومية. وفي سوق مقيّدة، قد ينقل العقد الكادر من مرفق إلى آخر بأجر أعلى دون أن يزيد المعروض شيئاً. وحينها ترتفع الكلفة ولا يرتفع الوصول.

ولهذا فإن بنود التدريب والتأهيل والتوطين في عقود التشغيل ليست بنود تجميل، بل هي ما يحوّل العقد من إعادة توزيع للكوادر إلى توسيع لقاعدتها.

ثلاثة مبادئ

  1. لا تتعاقد على ما لا تستطيع قياسه

قبل توقيع أي عقد تشغيل، يُسأل: ما المؤشرات التي سنقيس بها الأداء؟ ومن أين تأتي بياناتها؟ ومن يتحقق منها؟ فإن كان مصدر البيانات هو المشغّل نفسه دون تدقيق مستقل، فالعقد يقيس ما يريد المشغّل إظهاره.

  1. احمِ قابلية التنافس

تعدد المشغّلين ليس رفاهية تنظيمية، بل هو ما يبقي العقد منضبطاً. ويخدم ذلك تقسيم المشاريع الكبرى إلى حزم، وتقصير آجال العقود الأولى، واشتراط قابلية نقل البيانات والأنظمة، حتى لا يصير الاستبدال مستحيلاً عملياً.

  1. اشترِ نتائج لا أسرّة

الدفع مقابل الطاقة المتاحة يشتري مبنى يعمل. أما الدفع المرتبط بزمن الانتظار ونتائج المرضى ومعدلات المضاعفات وتجربة المراجع، فيشتري خدمة تتحسن. والحد الأدنى العملي أن يُربط جزء من المقابل بمؤشرات نتائج معلنة.

خاتمة

التشغيل الطبي أداة، والأدوات لا تُحاكم بنيّاتها بل بتصميمها. والتجارب الثلاث تقول الشيء نفسه بلغات مختلفة: ما يحسم النتيجة ليس من يملك المبنى، بل كيف كُتب العقد، ومن يملك البيانات، وهل يستطيع المشتري أن يقول لا حين يحين وقتها.

ونحن اليوم في اللحظة التي تُكتب فيها هذه العقود. وهي لحظة قصيرة، وأثرها طويل.

المصادر

  1. وكالة الأنباء السعودية عبر عاجل وجريدة الرياض: مشروع رعاية أمراض الكلى المزمنة والغسيل الكلوي الوطني، ونموذج الشراكة ومدته ونطاق عمل الشريك وحزمه الأربع وعدد المستفيدين. https://ajel.sa/local/va31p9gnoh https://www.alriyadh.com/2187384
  2. شركة الصحة القابضة: اختتام المرحلة الثانية من انتقال منسوبي وزارة الصحة إلى سبعة تجمعات صحية وعدد المشمولين. https://www.health.sa/ar
  3. وكالة الأنباء السعودية: فصل الأدوار التنظيمية والإشرافية عن التمويل والتقديم، وتأسيس الصحة القابضة ومركز التأمين الصحي الوطني. https://www.spa.gov.sa/N2141324
  4. مجلة المستشفى العربي: مستهدف خصخصة نحو ٢٩٥ مستشفى بحلول ٢٠٣٠ ضمن برنامج التحول الصحي. https://www.thearabhospital.com/مقالات-طبية/قطاع-الصحة-السعودي-في-رؤية-2030/
  5. تقرير مقارن منشور على موقع الحكومة البريطانية: مؤشرات مستشفى سانت يوران في ستوكهولم، ومنها الدفع دون التعرفة المرجعية بنحو ١٠٪، وأوقات الانتظار في الطوارئ. https://assets.publishing.service.gov.uk/media/5a7ee39d40f0b62305b83d20/Annex_16_Capio_St_Goran_Emergency_pathway.pdf
  6. مرصد النظم الصحية الأوروبي ومجلة سياسات الصحة: قصة نموذج ألثيرا من ١٩٩٩ إلى إنهاء الامتياز في أبريل ٢٠١٨، وأسباب الإنهاء وتعديلات العقد وضعف الرقابة. https://eurohealthobservatory.who.int/monitors/health-systems-monitor/analyses/hspm/spain-2018/public-private-partnerships-in-the-spanish-national-health-system-the-reversion-of-the-alzira-model https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0168851019300223
  7. دراسة محكّمة في قاعدة المكتبة الوطنية الأمريكية للطب: مقارنة كفاءة مستشفيات الشراكة في تركيا قبل النموذج وبعده بتحليل مغلّف البيانات. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12817399/
  8. إنتلي نيوز وتركش مِنت: ضمانات الدخل الممنوحة لمستشفيات المدن التركية حتى ٢٠٤٥، ومدفوعات وزارة الصحة لمشغّليها في ٢٠٢٥. https://new.intellinews.com/articles/turkey-lavishes-further-fortunes-on-city-hospital-contractors-396578 https://www.turkishminute.com/2026/05/15/turkey-paid-city-hospital-operators-nearly-5-times-cancer-control-budget-in-4-months/amp/
  9. وكالة الأنباء السعودية وجريدة الرياض: أعداد الممارسين الصحيين المسجلين ونسب السعوديين في الطب والتمريض حتى ٢٠٢٦. https://www.spa.gov.sa/N2569649 https://www.alriyadh.com/2185225
شارك المقال
كل المقالات