من توطين المصنع إلى توطين المعرفة
أهم ما في إطلاق سيارات «سير» عبارة واحدة: صُممت وهُندست محلياً. وهي العبارة التي ينبغي أن يُقاس بها التوطين في الصناعات الاستراتيجية.
من توطين المصنع إلى توطين المعرفة
صُممت هنا
أطلق سمو ولي العهد يوم الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ أولى سيارات شركة «سير» الوطنية تحت اسم «إكزوبوت»، بفئتي السيدان والدفع الرباعي، باكورةً لسبعة إصدارات تُطرح خلال خمس سنوات من مجمع الشركة في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية. وتتوقع الشركة أن تضيف أكثر من ٣٠ مليار ريال إلى الناتج المحلي، وأن تحسّن الميزان التجاري بنحو ٨٠ مليار ريال بحلول ٢٠٣٤.
الأرقام هي ما سيتصدر العناوين. لكن في الإعلان عبارة تستحق التوقف أكثر منها: أن السيارات صُممت وهُندست محلياً.
هذه العبارة تطرح سؤالاً لا يجيب عنه الإعلان، ولا يمكن أن يجيب عنه اليوم: بعد عشر سنوات، كم من قيمة السيارة السعودية سيكون في أيدٍ سعودية؟
ما بُني في أربع سنوات
أسس صندوق الاستثمارات العامة «سير» عام ٢٠٢٢ مشروعاً مشتركاً مع فوكسكون. ترخّص بي إم دبليو للشركة تقنيات مكونات، وتطور فوكسكون المعمارية الكهربائية للسيارات، وتورّد هيونداي ترانسيس وحدات الدفع، وتورّد ريماك أنظمة الدفع عالية الأداء للإصدارات الرائدة.
قد يقرأ بعضهم هذه القائمة على أنها اعتماد على الخارج. وهذه قراءة لا يسندها تاريخ الصناعة. فقد بيّنت الاقتصادية أليس أمسدن في دراستها الشهيرة للتجربة الكورية أن الدول المتأخرة صناعياً لم تنهض بالاختراع، بل بالتعلّم: تقتبس التقنية من السابقين، ثم تكيّفها، ثم تحسّنها. وهيونداي نفسها بدأت بتجميع طرازات شركة أجنبية قبل أن تصمم سياراتها.
وإلى جانب الشراكات، بُنيت طبقة توطين. وقّعت «سير» في فبراير ست عشرة اتفاقية تتجاوز قيمتها ٣.٧ مليار ريال، ووضعت هدف توريد ٤٥٪ من المواد والمكونات محلياً بحلول ٢٠٣٤. ثم وقّعت معها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في أغسطس اتفاقيتين للتوطين ونقل المعرفة، بأثر متوقع على الناتج المحلي يتجاوز ٩ مليارات ريال خلال عشر سنوات.
منحنى الابتسامة
في مطلع التسعينيات لاحظ ستان شي، مؤسس شركة أيسر التايوانية، أن القيمة في صناعة الحواسيب لا تتوزع بالتساوي. طرفا السلسلة، أي البحث والتصميم في أولها والعلامة والتسويق والخدمة في آخرها، يحققان قيمة مضافة أعلى بكثير من منتصفها، وهو التصنيع والتجميع. وإذا رُسم ذلك بياناً ظهر منحنى يشبه الابتسامة.
صار المفهوم منذ ذلك الحين أداة في أدبيات سلاسل القيمة العالمية. وتشير هذه الأدبيات إلى قلق الاقتصادات الصاعدة من أن تنحبس في قاع المنحنى، فتحصل على المصانع والوظائف بينما تبقى القيمة الأعلى في مكان آخر.
وفي حالة «سير» مفارقة مفيدة. شريكها فوكسكون هو أكبر مصنّع تعاقدي في العالم، وأوضح رموز منتصف المنحنى. لكن «سير» لم تُؤسَّس لتجمّع سيارات غيرها. فهي مسؤولة عن التصميم والهندسة والتصنيع والبيع بنفسها. أي أن نموذجها، كما صُمم، يستهدف طرفي الابتسامة لا قاعها.
وللطرف الأيمن من المنحنى في السيارة الكهربائية معنى أوسع مما كان في الحواسيب. فالعلاقة مع المالك لا تنتهي عند البيع. التحديثات البرمجية تصل إلى السيارة بعد شرائها، وبيانات الاستخدام تغذي الإصدار التالي، وشبكة الخدمة تصنع ثقة المشتري بقيمة إعادة البيع. من يملك العلامة والخدمة يملك هذه الحلقة كلها، ومن يملكها يعرف ما الذي ينبغي تصميمه بعد ذلك. أي أن الطرفين في هذه الصناعة يغذي كل منهما الآخر.
التوطين يُقاس بالهندسة
الرؤية نفسها حسمت هذا الاتجاه قبل الإطلاق بسنوات. فالاستراتيجية الوطنية للصناعة، التي أُطلقت عام ٢٠٢٢، لا تكتفي بمضاعفة الصادرات الصناعية إلى ٥٥٧ مليار ريال. إنها تستهدف أيضاً رفع صادرات المنتجات التقنية المتقدمة ستة أضعاف، من ٢.١ مليار ريال إلى ١٢.٣ مليار ريال بحلول ٢٠٣٠، وتربط ذلك صراحة ببرامج تنمية المواهب الوطنية. وتطلعات قطاع البحث والتطوير والابتكار تستهدف إنفاقاً يبلغ ٢.٥٪ من الناتج المحلي عام ٢٠٤٠، ومن أولوياتها الأربع الريادة في الطاقة والصناعة.
التوطين في الرؤية إذن ليس مصنعاً فحسب. لكن الأداة الأشهر لقياسه، وهي نسبة المحتوى المحلي، تعدّ المكونات. ولا تفرّق بين مقعد صُنع محلياً وشيفرة إدارة بطارية كُتبت محلياً.
وهذا الفرق يتسع مع الوقت. فالسيارة الكهربائية منصة برمجية بقدر ما هي آلة. وتقدّر ماكنزي أن سوق برمجيات السيارات وإلكترونياتها قد يبلغ ٥١٩ مليار دولار بحلول ٢٠٣٥، بنمو سنوي نحو ٤.٥٪، في حين لا يتجاوز نمو سوق المركبات نفسه ١٪ تقريباً. أي أن القيمة تنتقل من الحديد إلى الشيفرة، ومن خط الإنتاج إلى مكتب المهندس.
ولهذا الانتقال أثر مباشر على نوع الوظائف التي يولدها التوطين. وظيفة خط الإنتاج مهمة، وهي أول ما يظهر في الأرقام. لكن الوظيفة التي تستوعب خريج الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي تقع في طرفي المنحنى. وإذا كانت الرؤية تستثمر في إعداد هؤلاء الخريجين، فإن مصانعها ينبغي أن تفتح لهم أبواب التصميم والبرمجيات، لا أبواب التشغيل وحدها. وإلا صارت المعرفة التي أُعدّوا لها تُمارَس في مكاتب الشركاء خارج المملكة، وهي المفارقة التي يسعى التوطين إلى تجنبها أصلاً.
ومن هنا الادعاء: في الصناعات الاستراتيجية، يُقاس نجاح التوطين أولاً بحصة الهندسة والملكية الفكرية المحلية، ثم بحجم الإنتاج ونسبة المكوّن المحلي.
الجديد هذا العام
عام ٢٠٢٦ هو العام الذي صار فيه لتوطين المعرفة في هذا القطاع بدايات قابلة للقياس.
ابتعثت «سير» خمسين مهندساً ومهندسة ضمن مسار «واعد» لدراسة هندسة تصنيع السيارات الكهربائية، في برنامج من ستة أشهر نظرية وستة عملية، شمل تخصصات الهندسة الميكانيكية والكهربائية والتصنيع والذكاء الاصطناعي. وفي يوليو تخرّج منهم أربعون انضموا مباشرة إلى فريق الشركة. ثم جاءت اتفاقيتا أغسطس لتنصّا على نقل المعرفة بنداً مستقلاً إلى جانب التوطين. ثم جاء إطلاق اليوم بأول منتج يُعلن أنه صُمم وهُندس محلياً.
ثلاثة مبادئ
قِس طرفي المنحنى لا منتصفه وحده
تحتاج نسبة المحتوى المحلي إلى مؤشرات تكمّلها: حصة الساعات الهندسية المنفذة داخل المملكة، وعدد البراءات المسجلة باسم جهات سعودية، وعدد المهندسين السعوديين في مواقع قيادة التصميم والبرمجيات. هذه مؤشرات تُجمع بسهولة، وتكشف ما لا تكشفه نسبة المكونات.
اجعل نقل المعرفة بنداً قابلاً للتدقيق
عبارة «نقل المعرفة» تكسب قيمتها حين تتحول إلى محطات بتواريخ. مثل انتقال مسؤولية نظام بعينه من فريق الشريك إلى الفريق المحلي، أو تصميم عنصر من منصة إصدار قادم تصميماً محلياً كاملاً. ما يمكن تدقيقه يمكن تحسينه.
صِل المصنع بمنظومة المواهب
أربعون مهندساً بداية جيدة. لكن محفظة من سبعة إصدارات تحتاج مئات. وهذا يتطلب برامج جامعية في هندسة البطاريات والبرمجيات المدمجة وأنظمة المركبات، وتدريباً تعاونياً داخل المجمع، وبحثاً تطبيقياً يلتقي مع أولوية الريادة في الطاقة والصناعة.
تساؤل وإجابة
التساؤل الذي يقيس به القارئ الموقع: لو غاب الشركاء بعد عشر سنوات، ماذا تستطيع الفرق السعودية أن تبني وحدها؟ الجواب هو نسبة التوطين الحقيقية.
وأقوى إجابة على هذه الأطروحة أنها سابقة لأوانها. فالمنطق الصناعي يقول إن الحجم يأتي أولاً، وإن الإنتاج والمبيعات هي التي تموّل البحث والتطوير لاحقاً. هكذا بدأت كوريا والصين، بالتجميع ثم الهندسة. ودفع الهندسة المحلية مبكراً قد يرفع الكلفة ويبطئ الطرح في سوق شديدة المنافسة.
هذه إجابة منصف، والتسلسل مهم فعلاً. لكن التعلّم لا يحدث تلقائياً مع الحجم، بل يحدث حيث يُخطَّط له. وقد بقيت شركات تصنيع تعاقدي كثيرة في منتصف المنحنى عقوداً رغم أحجام إنتاج ضخمة، وهذه الملاحظة بالذات هي التي ولد منها المنحنى. ثم إن قياس الهندسة من اليوم الأول لا يعني الاستغناء عن الشركاء. إنه يعني تسجيل المسار، ليُعرف إن كان يتجه إلى طرفي الابتسامة أم يستقر في قاعها.
الطموح الأبعد في الرؤية ليس أن تُكتب على السيارة عبارة «صُنعت في السعودية». بل أن تُقرأ قبلها عبارة «صُممت في السعودية».
المصادر
الشرق الأوسط: خبر الإطلاق، والإصدارات السبعة، وأرقام الناتج المحلي والميزان التجاري. https://aawsat.com/الاقتصاد/5320797
إيكونومي ميدل إيست: شركاء «سير» ودور كل منهم، ومسؤولية الشركة عن التصميم والهندسة والبيع لا التجميع وحده، وهدف التوريد المحلي ٤٥٪. ورويترز لاتفاقيات فبراير الست عشرة. https://economymiddleeast.com/news/saudi-crown-prince-launches-ceers-first-exobot-evs-as-seven-model-rollout-begins-localization-targets-45-percent/ https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-ev-brand-ceer-signs-986-million-deals-localise-manufacturing-2026-02-09/
الشرق الأوسط: اتفاقيتا هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية للتوطين ونقل المعرفة وأثرهما المتوقع. https://aawsat.com/الاقتصاد/5302924
وكالة الأنباء السعودية واليوم: الاستراتيجية الوطنية للصناعة ومستهدفاتها للصادرات الصناعية والتقنية المتقدمة. https://www.spa.gov.sa/2393580 https://www.alyaum.com/articles/6427840
الشرق: تطلعات قطاع البحث والتطوير والابتكار وأولوياته الوطنية. https://asharq.com/reports/35204/
ماكنزي: حجم سوق برمجيات السيارات وإلكترونياتها ونموه مقارنة بسوق المركبات. https://mckinsey.com/features/mckinsey-center-for-future-mobility/our-insights/mapping-the-automotive-software-and-electronics-landscape
مجلة التغير الهيكلي والديناميكيات الاقتصادية (٢٠٢١): منحنى الابتسامة في سلاسل القيمة العالمية ومخاوف الاقتصادات الصاعدة من قاعه. https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0954349X21001405
وكالة الأنباء السعودية والمدينة والقدس: برنامج ابتعاث مهندسي «سير» ومدته وتخصصاته وعدد مبتعثيه وخريجيه. https://www.spa.gov.sa/N2216014 https://www.al-madina.com/article/913574 https://www.alquds.com/ar/posts/249787-ceer-motors-saudi-engineers-graduation-waed-program
أليس أمسدن، «العملاق الآسيوي القادم: كوريا الجنوبية والتصنيع المتأخر» (١٩٨٩): التصنيع المتأخر بوصفه تعلّماً.