الذكاء الاصطناعي

23 ربيع الآخر 1448هـ 4 أكتوبر 2026م 7 دقائق قراءة

المصنع لا يعيد تصميم نفسه

في عام الذكاء الاصطناعي، تتسابق المبادرات على تدريب الملايين وإتاحة الأدوات. والتجربة التاريخية تقول إن هذا نصف الطريق فقط.

الإتاحة والتدريب يرفعان عدد المستخدمين. أما الإنتاجية فلا ترتفع إلا حين يُعاد تصميم العمل نفسه.

شهر واحد، أرقام كبيرة

في أكتوبر وحده، أطلقت أكاديمية سدايا خمسة عشر برنامجاً ومعسكراً تدريبياً في البيانات والذكاء الاصطناعي، للمبتدئين والمختصين معاً.

وقبلها بأسابيع، أعلنت أدوبي في مؤتمر ليب بالرياض إتاحة أدواتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي مجاناً اثني عشر شهراً لأكثر من ٢٧ مليون مواطن ومقيم مؤهل من عمر ثلاثة عشر عاماً فأكثر، ضمن شراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وشركة هيوماين تتجاوز قيمة التزامها فيها أربعة مليارات دولار. وأعلنت مايكروسوفت خطة لتمكين ثلاثة ملايين شخص إضافي في المملكة من مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول ٢٠٣٠.

وكل ذلك يقع داخل عام أقرّه مجلس الوزراء في مارس الماضي «عام الذكاء الاصطناعي».

والسؤال الذي لا تجيب عنه هذه الأرقام: ماذا سيتغير في العمل نفسه بعد أن يتدرب الجميع؟

المسار صحيح، وهذا ليس موضع جدل

قبل أي نقاش، يُقال ما هو منصف: إتاحة الأدوات للجميع قرار سليم.

فالتقنية التي تبقى حكراً على المختصين تُنتج فجوة، والفجوة تتراكم. وحين تتاح الأداة لطالب في الثانوية ولصاحبة مشروع صغير ولموظف في جهة حكومية، تتقلص المسافة بين من يعرف ومن لا يعرف. والتدريب الجماعي يفعل الشيء نفسه من الجهة الأخرى.

وهناك سبب إضافي وجيه: لا أحد يعرف مسبقاً أين ستظهر الاستخدامات الأنفع. فإتاحة الأداة لملايين الناس هي أيضاً طريقة لاكتشاف ما لا تكتشفه اللجان.

وللإتاحة المبكرة أثر آخر لا يُقاس بسهولة: أن تصبح الأداة مألوفة. فالموظف الذي جرّبها في بيته لا يحتاج إقناعاً بها في مكتبه، والمعلم الذي استعملها في إعداد درسه يفهم ما يفعله طلابه بها.

لكن هذا كله يصنع الوصول. والوصول ليس النتيجة.

أربعون سنة من الكهرباء

في عام ١٩٩٠ نشر المؤرخ الاقتصادي بول ديفيد ورقة قصيرة صارت من أشهر ما كُتب في هذا الباب، عنوانها «الدينامو والحاسوب».

كان سؤاله: لماذا لم تظهر الكهرباء في أرقام إنتاجية الصناعة الأمريكية إلا بعد نحو أربعة عقود من انتشارها التجاري؟

والجواب أن المصانع في أول الأمر فعلت الشيء البديهي. كان المصنع القديم يدار بمحرك بخاري ضخم واحد، ينقل حركته إلى الآلات عبر أعمدة وسيور تملأ السقف. فلما جاءت الكهرباء، أخرجوا المحرك البخاري ووضعوا مكانه محركاً كهربائياً كبيراً، وأبقوا الأعمدة والسيور وترتيب الآلات كما هي. أي أنهم اشتروا تقنية جديدة وشغّلوها داخل تصميم قديم. ولم تتحسن الإنتاجية تحسناً يُذكر.

والقفزة جاءت حين فهم المصنّعون أن ميزة الكهرباء ليست أنها بديل أنظف للبخار، بل أنها تسمح بوضع محرك صغير مستقل في كل آلة. وعندها سقط سبب وجود الأعمدة أصلاً، فصار ممكناً بناء مصنع من طابق واحد، وترتيب الآلات بحسب تسلسل تصنيع المنتج لا بحسب قربها من مصدر الطاقة. ثم ظهرت المكاسب، وكانت ضخمة.

وفي الورقة ملاحظة أراها الأهم: أن الوقت وحده لا يصنع إعادة التصميم. فالمنشأة لا تعيد ترتيب نفسها لمجرد أن السنوات مرت، لأن الجمود أقوى من مرور الزمن.

ما تقوله الأرقام اليوم

يمكن اختبار هذا الكلام بأرقام حديثة.

في دراسة دنماركية واسعة، سُئل نحو ٢٥ ألف عامل في ٧ آلاف منشأة ضمن إحدى عشرة مهنة. وكانت المنشآت قد فعلت ما يُفترض بها: شجّعت الاستخدام، ونشرت نماذج داخلية، وأطلقت برامج تدريب. فارتفع التبنّي بالفعل، وأبلغ ما بين ٦٤٪ و٩٠٪ من المستخدمين عن توفير في الوقت.

وصف الصورة

ثم جاءت النتيجة: متوسط التوفير ٢.٨٪ من ساعات العمل، أي نحو ساعة واحدة في أسبوع من أربعين. ولم يظهر أثر يُذكر على الأجور ولا على ساعات العمل المسجلة في أي مهنة من الإحدى عشرة.

هذا ما يحدث حين تدخل الأداة إلى عمل لم يتغير تصميمه: يستخدمها الموظف في المهمة التي كان يؤديها، فيكسب دقائق، ثم ينفق بعضها في مراجعة ما أنتجته.

ولا يعني ذلك أن الأداة ضعيفة. فالمقارنة هنا ليست بين من يستخدمها ومن لا يستخدمها، بل بين منشأة أدخلتها إلى خطواتها القديمة ومنشأة غيّرت الخطوات. والدراسة نفسها تذكر أن الموظفين وجدوا مهام جديدة ظهرت بسبب الأداة، وأن جزءاً من الوقت الموفَّر ذهب إلى هذه المهام.

وفي المقابل، حيث يُعاد ترتيب العمل حول الأداة، تختلف الأرقام تماماً. ففي مركز خدمة عملاء كبير، ارتفعت إنتاجية الموظفين ١٥٪ بعد إدخال مساعد ذكي يقترح الردود. والمهم في هذه الدراسة ليس الرقم العام، بل توزيعه: المكسب لدى الموظفين الجدد وأقلهم خبرة بلغ نحو ٣٤٪، بينما كاد يختفي لدى الأكثر خبرة. لأن الأداة كانت تنقل إلى المبتدئ ما يعرفه الخبير، لا أن تضيف إلى الخبير شيئاً.

وثمة نتيجة ثالثة تكمل الصورة. في تجربة ميدانية على استشاريين، تحسّنت جودة العمل بأكثر من ٤٠٪ في المهام التي تقع داخل قدرة النموذج، وتراجع الأداء بنحو ١٩ نقطة مئوية في مهمة تقع خارجها. وسمّى الباحثون ذلك «الحدود المسننة»: حدود غير مستوية، ينفع ما داخلها ويضر ما خارجها، وليس على الأداة علامة تدلك أين أنت منها.

لماذا السؤال عاجل الآن

كل ما سبق يصبح عملياً جداً في وضعنا الحالي.

خلال أشهر قليلة، سيكون لدى المملكة قاعدة واسعة جداً من مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي، وجيل مدرسي يدرس وحدات مخصصة لها ضمن المناهج، وبنية حوسبية ونماذج عربية تُبنى محلياً.

وهذا يعني أن القيد في معادلة الإنتاجية ينتقل من مكان إلى آخر. فحين تكون الأداة نادرة، يكون القيد في الوصول إليها. وحين تصير متاحة للجميع، ينتقل القيد إلى الإجراء الذي تُستعمل داخله. فلم يعد السؤال: هل يعرف الناس استخدام الأداة؟ بل: هل الإجراءات التي يعملون داخلها مصممة لتستفيد منها؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين مصنع وضع محركاً كهربائياً مكان المحرك البخاري، ومصنع أعاد بناء نفسه.

ويقال هنا إن التدريب شرط لازم على أي حال، وإنه لا يمكن إعادة تصميم العمل بفريق لا يعرف ما تستطيعه الأداة. وهذا صحيح تماماً، ولا يُنقض. لكن الملاحظة ليست على التدريب، بل على المقياس: حين يصير عدد المتدربين هو مؤشر النجاح، تتوقف المؤسسة عند أول خطوة وتظن أنها وصلت.

ثلاثة مبادئ

أعد تصميم إجراء واحد بالكامل قبل أن تدرّب الجميع

اختر إجراءً واضحاً: إصدار خطاب، دراسة طلب، إعداد تقرير شهري. ثم أعد رسمه من أوله على افتراض وجود الأداة، لا بإضافتها إلى خطوة فيه. غالباً ستجد خطوات كاملة لم تعد لها وظيفة، وأخرى يجب أن تنشأ، مثل خطوة التحقق.

وإجراء واحد أعيد تصميمه يعلّم المؤسسة أكثر من ألف متدرب. ثم إنه يعطي رقماً حقيقياً يمكن قياسه، بدل الحديث العام عن التحول.

قِس الإجراء لا المتدرب

عدد المتدربين وعدد الحسابات مؤشرات وصول. أما مؤشرات الأثر فهي من نوع آخر: زمن إنجاز المعاملة من أولها إلى آخرها، ونسبة الأعمال التي تُعاد، وعدد الخطوات في الإجراء، ورضا المستفيد.

وقياس هذه الأربعة قبل التغيير وبعده يجيب عن سؤال الجدوى بصدق. وإن لم تتحرك، فالمشكلة في التصميم لا في الأداة ولا في الموظف.

اعرف أين تنتهي حدود الأداة

بما أن الضرر يقع خارج الحدود لا داخلها، فإن أنفع ما يُعطى للموظف ليس قائمة بما تستطيعه الأداة، بل قائمة بما لا تُسلَّم إليه، وقاعدة واضحة للتحقق مما تنتجه قبل اعتماده.

خاتمة

عام الذكاء الاصطناعي سينتهي بأرقام كبيرة عن المتدربين والمشتركين، وهي أرقام حقيقية وتستحق أن تُنشر.

لكن السؤال الذي سيبقى بعده: كم إجراءً أعادت المؤسسات تصميمه؟

فالمصنع لا يعيد تصميم نفسه، ولا تفعل ذلك الأداة مهما كانت ذكية. يفعله من يملك قرار تغيير الخطوات.

المصادر

  1. وكالة الأنباء السعودية، خبر إطلاق أكاديمية سدايا برامجها التدريبية لشهر أكتوبر، سبتمبر ٢٠٢٦. يسند عدد البرامج والمعسكرات وفئاتها المستهدفة. https://www.spa.gov.sa/N2688890
  2. جهات الإخبارية، تغطية إعلان أدوبي في مؤتمر ليب، سبتمبر ٢٠٢٦. يسند مدة الإتاحة المجانية وعدد المؤهلين وحد العمر وقيمة التزام الشركة والشركاء فيها. https://jehat.net/?act=artc&id=140287
  3. صحيفة النهار، تقرير عن حصيلة عام الذكاء الاصطناعي في المملكة، سبتمبر ٢٠٢٦. يسند خطة مايكروسوفت لتمكين ثلاثة ملايين شخص إضافي بحلول ٢٠٣٠. https://www.annahar.com/economy/350356/
  4. سعوديبيديا، صفحة عام الذكاء الاصطناعي ٢٠٢٦. يسند قرار مجلس الوزراء بتسمية العام وتاريخه والجهة المنفذة. https://saudipedia.com/%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-2026
  5. بول ديفيد، «الدينامو والحاسوب: منظور تاريخي لمفارقة الإنتاجية الحديثة»، المجلة الاقتصادية الأمريكية، مايو ١٩٩٠. يسند تأخر أثر الكهرباء نحو أربعة عقود، وسببه في بقاء تصميم المصنع القديم، وملاحظة أن مرور الوقت وحده لا يُحدث إعادة التصميم. https://gwern.net/doc/economics/automation/1990-david.pdf
  6. أندرس هوملوم وإيميلي فيسترغورد، «نماذج لغوية كبيرة، آثار صغيرة في سوق العمل»، معهد بيكر فريدمان بجامعة شيكاغو، مايو ٢٠٢٥. يسند حجم العينة والمهن، ونسب من أبلغوا عن توفير الوقت، ومتوسط التوفير ٢.٨٪، وغياب الأثر على الأجور والساعات. https://bfi.uchicago.edu/wp-content/uploads/2025/04/BFI_WP_2025-56-3.pdf
  7. إريك برينيولفسون ودانييل لي وليندسي رايموند، «الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل»، المجلة الفصلية للاقتصاد، مايو ٢٠٢٥. يسند ارتفاع الإنتاجية ١٥٪ في مركز خدمة العملاء، وتركّز المكسب لدى الموظفين الجدد وأقلهم خبرة. https://academic.oup.com/qje/article/140/2/889/7990658
  8. فابريتسيو دل أكوا وزملاؤه، «التنقل في الحدود التقنية المسننة»، كلية هارفارد للأعمال، ٢٠٢٣. يسند تحسن الجودة بأكثر من ٤٠٪ داخل حدود قدرة النموذج، وتراجع الأداء ١٩ نقطة مئوية خارجها. https://www.hbs.edu/ris/Publication%20Files/24-013_d9b45b68-9e74-42d6-a1c6-c72fb70c7282.pdf
  9. صحيفة العين الإخبارية، تغطية قرارات وزارة التعليم ونظام التعليم العام الجديد، أغسطس ٢٠٢٦. يسند إدراج وحدات تعليمية مخصصة للذكاء الاصطناعي في المقررات. https://al-ain.com/article/saudi-education-new-system-decisions
شارك المقال
كل المقالات