1 جمادى الأولى 1448هـ 12 أكتوبر 2026م 7 دقائق قراءة

السجل لا يُبنى بأثر رجعي

حوكمة الذكاء الاصطناعي لن يفرضها المنظِّم وحده، بل من يطلب الدليل أولاً. والدليل سجل تشغيلي لا سياسة مكتوبة، ولا يمكن بناؤه بأثر رجعي.

### كلمتان في استمارة

تقدّمت شركة ألمانية لتجارة الأخشاب، يعمل فيها أكثر من أربعمئة موظف ولها متجر إلكتروني، بطلب وثيقة تأمين سيبراني. وفي استمارة الاكتتاب سؤالان: هل تعمل برامج الحماية من البرمجيات الخبيثة على جميع أجهزة العمل؟ وهل تُحدَّث الأنظمة في وقتها ولا يُستعمل إلا ما يدعمه مُصنّعه؟ فأجاب مسؤول التقنية بنعم مرتين، من غير أن يفحص الأنظمة قبل أن يجيب.

ثم جاء الاختراق. وكشف الفحص الجنائي الرقمي ثلاثة أمور: خادم المتجر الإلكتروني خارج الدعم ولم يُحدَّث منذ مدة، ولا برنامج حماية عليه، ومتحكّم نطاق يخدم أكثر من سبعين مستخدماً باق على إعداداته المصنعية. فطعنت الشركة المؤمِّنة في العقد ورفضت التعويض.

وفي ٨ يناير ٢٠٢٥ أيّدت محكمة شليسفيغ هولشتاين الاستئنافية حكم محكمة الدرجة الأولى. الإجابتان غير صحيحتين موضوعياً، ولم ينفع الاحتجاج بحسن النية، لأن من يجيب عن سؤال اكتتاب دون علم فعلي بالجواب يُعدّ مضلِّلاً لا مخطئاً. سقطت الوثيقة، لا لضعف تغطيتها، بل لأن الإجابة لم يكن تحتها سجل.

وهذه ليست قصة تأمين. هي أقرب صورة متاحة لما ينتظر الجهات في حوكمة الذكاء الاصطناعي.

تنبؤان يُقرآن معاً

أصدرت غارتنر في ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ تنبؤاتها الاستراتيجية لعام ٢٠٢٧ وما بعده، وتُعرض تفاصيلها في مؤتمرها السنوي بين ١٩ و٢٢ أكتوبر. وفيها عشرة تنبؤات، اثنان منها يفقدان معناهما إذا قُرئ كل واحد منفرداً.

الأول: أن شركات التأمين، لا الجهات التنظيمية، ستقود حوكمة الذكاء الاصطناعي بحلول عام ٢٠٣٠، عبر معايير اكتتاب صارمة تُشترط لتغطية المسؤولية.

والثاني: أن ثمانين بالمئة من كبرى الشركات العالمية ستُلزم مسؤول التقنية أو مسؤول الذكاء الاصطناعي تعاقدياً بأن يكون «أمين الأدلة» عن مساءلة الذكاء الاصطناعي.

الأول يقول من سيطلب. والثاني يقول ما سيُطلب. والمطلوب ليس سياسة، بل أدلة.

لماذا يسبق المؤمِّن المنظِّم

في عام ٢٠١٢ نشر عُمري بن شاهار وكايل لوغ في دورية قانون ميشيغان بحثاً عنوانه «تخريج التنظيم: كيف يخفّض التأمين المخاطرة الأخلاقية». وأطروحته أن تنظيم السلوك يحتاج معلومات في أربعة مواضع: لوضع المعيار، ولترخيص الممارسة، وللتحقق من النتيجة، ولتقدير الجزاء. والمؤمِّن الخاص يملك في مجالات كثيرة ميزة معلوماتية على المنظِّم، لأنه يرى الخسارة وقت وقوعها لا بعد أن تصير ظاهرة عامة، ويدفع ثمنها نقداً. ولهذا صار التأمين في تلك المجالات هو المنظِّم الفعلي، وتراجع دور القانون فيها إلى قاعدة بسيطة في المسؤولية.

والسابقة الأقرب موثقة أيضاً. فقد وصف شاوهين تاليش في دراسة نشرتها دورية القانون والبحث الاجتماعي عام ٢٠١٨ شركات التأمين السيبراني بأنها صارت «مديري امتثال» لعملائها: توزّع قوائم الضوابط، وتقيس النضج، وتصنع معنى الامتثال عملياً حيث يسكت النظام أو يتأخر عن السوق.

والفرق بين الجهتين في أداة الإلزام. المنظِّم يملك الغرامة، وهي تأتي بعد الواقعة وبعد التحقيق. والمؤمِّن يملك ثلاث أدوات تعمل قبل الواقعة: السعر، والشرط، والاستثناء.

ما يحدث في السوق الآن

وليس التنبؤ وحده ما يسند هذا. فنماذج التأمين التجاري نفسها تغيّرت في العامين الماضيين. فقد أعدّت فيريسك، وهي الجهة التي تضع نماذج الوثائق القياسية التي تبني عليها شركات التأمين منتجاتها في السوق الأمريكية، ثلاثة ملاحق تستثني الذكاء الاصطناعي التوليدي: ملحق يستثني الإصابة البدنية وتلف الممتلكات والضرر الشخصي والإعلاني من غطاء المسؤولية العامة، وملحق يستثني الضرر الشخصي والإعلاني وحده، وملحق ثالث يستثني الإصابة وتلف الممتلكات من غطاء المنتجات والعمليات المنجزة. وشركات التأمين تتقدم بهذه الملاحق إلى المنظِّمين في الولايات لإقرارها.

وأبعد من ذلك، أدخلت إحدى شركات التأمين الأمريكية استثناءً مطلقاً للذكاء الاصطناعي في وثائق مسؤولية المديرين والأخطاء المهنية والمسؤولية الائتمانية. والاستثناء لا يقتصر على الضرر الناشئ عن مخرجات النموذج، بل يشمل استعمال الذكاء الاصطناعي وتطويره، والمحتوى المولَّد به أو المنشور بواسطته، وإخفاق المؤمَّن له في تمييز محتوى طرف ثالث مولَّد بالذكاء الاصطناعي، وسياساته وإجراءاته في هذا الباب، وأي إخلال بواجب متصل به. أي أن سياسة الجهة نفسها صارت محلاً للاستثناء، لا سنداً للتغطية.

والدافع مقاس. فبحسب دراسة أعدّها أحد كبار وسطاء التأمين ونقلتها صحيفة متخصصة في القطاع، زادت الدعاوى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة ٩٧٨٪ بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٥، وبنسبة ١٣٧٪ في سنة واحدة بين ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وكانت دعاوى انتهاك براءات الاختراع ١١.٩٪ منها، وحقوق النشر ١١.٢٪، والضرر الشخصي ومنه انتهاك الخصوصية ١٠.٢٪.

والاستثناء ليس نهاية القصة بل أولها. فالمكتتب الذي يستثني اليوم يعود غداً فيغطّي بسعر وبشرط، لأن الاستثناء المطلق يفقده السوق. وحين يعود، يسأل. وهنا موضع السجل.

ساعتان لا ساعة واحدة

ومعظم الجهات تضبط استعدادها على ساعة واحدة: تاريخ سريان النظام. وهذه الساعة تتأخر.

ففي ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ دخلت حيّز النفاذ لائحة أوروبية معدِّلة لنظام الذكاء الاصطناعي، أجّلت التزامات الأنظمة عالية الخطر المستقلة، ومنها أنظمة التوظيف والتقييم الائتماني والتعليم، من ٢ أغسطس ٢٠٢٦ إلى ٢ ديسمبر ٢٠٢٧. وأجّلت التزامات الأنظمة المدمجة في منتجات خاضعة لأنظمة سلامة قطاعية إلى ٢ أغسطس ٢٠٢٨. ستة عشر شهراً أُضيفت إلى الساعة النظامية بقرار واحد.

وفي المدة نفسها لم تتأخر ساعة الاكتتاب يوماً. الملاحق أُعدّت، والاستثناءات أُدخلت، والوثائق تُجدَّد سنوياً بلا انتظار لتاريخ سريان ولا لفترة سماح.

وهذا هو الادعاء: المهلة التي تحكم المؤسسة ليست تاريخ سريان النظام، بل تاريخ تجديد وثيقتها. ومن ضبط استعداده على الساعة الأولى سيُسأل أمام الثانية، وهي أقرب.

وللادعاء اعتراض قوي يستحق أن يُعرض بإنصاف: أن الحوكمة التي يقودها المؤمِّن تحسّن القابلية للتأمين لا جودة القرار. فقائمة المكتتب مكتوبة لتخفيض الخسارة المالية المحتملة، وهي أضيق من المسؤولية المهنية. ولن يسأل المكتتب عن إنصاف النموذج لفئة من المستخدمين إلا بقدر ما يتحول هذا الإنصاف إلى دعوى محتملة. فمن اكتفى بقائمته بلغ القابلية للتأمين، وتوقف عندها.

والاعتراض صحيح في منتهاه، ضعيف في أثره العملي. فالضوابط التي يطلبها المكتتب اليوم هي في جوهرها الضوابط التي يطلبها المنظِّم بعد سنة: سجل لما قُرِّر، ومن قرّره، وعلى أي بيانات، وما البديل الذي كان مطروحاً. والفرق في التوقيت لا في المضمون. والجهة التي بنت السجل لسبب تجاري تملك ما تحتاجه لسبب أخلاقي، أما العكس فلا يصحّ.

ويبقى احتمال ثالث لا أستطيع نفيه: أن يتحرك المنظِّم أسرع من السوق فيسقط التنبؤ من أساسه. وحتى في هذه الحالة يبقى المطلوب هو نفسه، ويبقى من بناه مستعداً.

الموضع السعودي

ولا حاجة إلى انتظار سوق خارجي ليصل الطلب. فالإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، الذي أطلقته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في ١٤ يوليو ٢٠٢٦ مرجعاً إرشادياً للجهات الحكومية والخاصة، يبني دورة من أربع مراحل تبدأ بتحديد السياق وتنتهي بالمراقبة والمراجعة المستمرة، ويحسب مستوى الخطر بمصفوفة تجمع احتمال الوقوع بحجم الأثر. والمراقبة المستمرة ليست وثيقة تُكتب مرة وتُعتمد، بل سجل يُحدَّث عند كل تغيير.

وفي ٦ أكتوبر ٢٠٢٦ دعت الهيئة نفسها إلى إبداء المرئيات على مشروع تعديلات اللائحة التنفيذية لنظام حماية البيانات الشخصية، ومن أهدافه المعلنة توضيح أحكام تخزين البيانات الشخصية. والجهة التي تشغّل نموذجاً على بيانات أشخاص ستُسأل عن الأمرين معاً: عن أثر القرار، وعن مكان البيانات ومدة بقائها.

ما يُسجَّل، ومتى

قبل التشغيل تُسجَّل أربعة أمور لا تُستخرج بعد حين: ما النموذج المستعمل ونسخته، ومن أذن باستعماله في هذا الموضع بعينه، وما البيانات التي يراها، وما القرار الذي يُسمح له بأن يؤثر فيه وما حدّ تأثيره. وأرخص وقت لتسجيل هذا هو يوم التشغيل، لأن كل يوم بعده يحوّل التسجيل من إجراء إلى تحقيق.

وعند أول حادثة يُسجَّل ما أنتجه النموذج، ومن راجعه، وما تغيّر بعده، وهل كان التغيير نسخة جديدة أم ضبط إعداد أم تعديل تعليمات. والحادثة هنا ليست الخسارة وحدها؛ قد تكون شكوى، أو مخرجاً خاطئاً اكتشفه موظف فصحّحه. والجهة التي لا تحفظ هذا تفقد الشيء الوحيد الذي يفرّق بين خطأ عُولج وخطأ يتكرر.

وعند التجديد تُقرأ استمارة الاكتتاب قراءة ثانية: لا بوصفها استبانة تُملأ، بل بوصفها قائمة بما يجب أن يكون موثقاً أصلاً. وكل سؤال فيها لا تملك له مستنداً هو ثغرة مكشوفة قبل وقوع أي خسارة، ويظهر أثرها في السعر وفي حدّ التغطية وفي الاستثناء، لا في ساحة القضاء.

والسياسة تُكتب في يوم، والسجل يُبنى في سنة. ولهذا يسبق السجل السياسة، لا لأنه أهم منها، بل لأنه الوحيد الذي لا يمكن تعويضه حين يُطلب.

المصادر

  1. محكمة شليسفيغ هولشتاين الاستئنافية، القرار في القضية رقم 16 U 63/24، ٨ يناير ٢٠٢٥، مؤيّداً حكم محكمة كيل الابتدائية في ٢٣ مايو ٢٠٢٤. يسند وقائع استمارة الاكتتاب ونتيجة الفحص الجنائي الرقمي وحكم إبطال الوثيقة لعدم العلم بالجواب. https://www.beck-aktuell.de/heute-im-recht/rechtsprechung/risikofragen-cyberversicherung-ins-blaue-hinein-olg-schleswig-urteil-2025-03-10
  2. غارتنر، التنبؤات الاستراتيجية لعام ٢٠٢٧ وما بعده، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦. يسند تنبؤ قيادة شركات التأمين لحوكمة الذكاء الاصطناعي بحلول ٢٠٣٠، وتنبؤ إلزام مسؤول التقنية تعاقدياً بصفة أمين الأدلة في ثمانين بالمئة من كبرى الشركات. https://www.gartner.com/en/newsroom/press-releases/2026-09-15-gartner-unveils-top-strategic-predictions-for-2027-and-beyond
  3. عُمري بن شاهار وكايل لوغ، «تخريج التنظيم: كيف يخفّض التأمين المخاطرة الأخلاقية»، دورية قانون ميشيغان، المجلد ١١١، الصفحات ١٩٧ إلى ٢٤٨، عام ٢٠١٢. يسند الإطار النظري في الميزة المعلوماتية للمؤمِّن على المنظِّم، ومواضع المعلومات الأربعة اللازمة لتنظيم السلوك. https://repository.law.umich.edu/mlr/vol111/iss2/2
  4. شاوهين تاليش، «اختراق البيانات والخصوصية والتأمين السيبراني: كيف تعمل شركات التأمين مديري امتثال للمؤسسات»، دورية القانون والبحث الاجتماعي، عام ٢٠١٨. يسند وصف المؤمِّنين السيبرانيين بوصفهم صانعي معنى الامتثال عملياً عبر قوائم الضوابط وقياس النضج. https://www.law.uci.edu/faculty/full-time/talesh/Talesh-2018-Law_Social_Inquiry%20Cyber.pdf
  5. صحيفة إنشورنس جورنال، تقرير عن توسّع استثناءات الذكاء الاصطناعي في وثائق التأمين، ١٧ أغسطس ٢٠٢٦. يسند الملاحق الثلاثة التي أعدّتها فيريسك ونطاق كل منها، والاستثناء المطلق في وثائق مسؤولية المديرين والأخطاء المهنية والمسؤولية الائتمانية، ونسب زيادة الدعاوى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوزيعها. https://www.insurancejournal.com/magazines/mag-features/2026/08/17/881424.htm
  6. الاتحاد الأوروبي، اللائحة المعدِّلة لنظام الذكاء الاصطناعي الداخلة حيّز النفاذ في ٢٧ يوليو ٢٠٢٦. يسند تأجيل التزامات الأنظمة عالية الخطر المستقلة إلى ٢ ديسمبر ٢٠٢٧، وتأجيل الأنظمة المدمجة في منتجات قطاعية إلى ٢ أغسطس ٢٠٢٨. https://www.gibsondunn.com/eu-ai-act-omnibus-agreement-postponed-high-risk-deadlines-and-other-key-changes/
  7. الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، ١٤ يوليو ٢٠٢٦. يسند مراحل دورة إدارة المخاطر الأربع، ومصفوفة احتمال الوقوع في حجم الأثر، وصفة الإطار مرجعاً إرشادياً للجهات الحكومية والخاصة. https://www.spa.gov.sa/N2633725
  8. الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الدعوة إلى إبداء المرئيات على مشروع تعديلات اللائحة التنفيذية لنظام حماية البيانات الشخصية، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦. يسند طرح المشروع للاستطلاع وهدفه المعلن في توضيح أحكام تخزين البيانات الشخصية. https://www.spa.gov.sa/N2694642
شارك المقال
كل المقالات