التوثيق بوصفه أثراً جانبياً
الاعتماد الأكاديمي يقيس ما يمكن إثباته، وكلفة الإثبات هي ما تغيّر هذا العام.
التوثيق بوصفه أثراً جانبياً
رقم يستحق الوقوف عنده
أعلنت هيئة تقويم التعليم والتدريب، ممثلةً بالمركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي، منح ١٨١ اعتماداً مؤسسياً وبرامجياً خلال شهر سبتمبر وحده، شملت سبع مؤسسات تعليمية و١٣٨ برنامجاً أكاديمياً، وتحويل ٣٦ برنامجاً من الاعتماد المشروط إلى الكامل.
هذا اتساع حقيقي في عمل الجودة داخل القطاع، ويدل على أن المنظومة تتحرك بجدية. ومع هذا الاتساع يصبح من المفيد أن نسأل سؤالاً منهجياً هادئاً: ما الذي يقيسه الاعتماد بالضبط؟ لا لأن في الإجابة شكاً، بل لأن شروط صحة هذه الإجابة تغيّرت خلال العامين الأخيرين تغيراً يستحق الانتباه.
تصميم عقلاني له حدوده
آلية الاعتماد ثابتة في معظم الأنظمة. تتقدم المؤسسة بطلب، ثم تُعدّ دراسة تقويم ذاتي تقيس فيها واقعها أمام المعايير، وترفق لكل معيار أدلة وشواهد، ثم يزورها فريق خارجي للتحقق من صحة ما ورد في الدراسة ومن شمولية الأدلة. وتغطي المعايير المؤسسية الرسالة والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة والقيادة، والتعليم والتعلم، وشؤون الطلاب، وهيئة التدريس، والموارد، والبحث والشراكة المجتمعية.
هذا تصميم عقلاني ولا بديل معقول عنه. لا يستطيع فريق من ستة مراجعين أن يعاين جودة التدريس في آلاف القاعات خلال أيام. ما يستطيعه هو فحص الأثر الذي خلّفه العمل: الوثيقة، والمحضر، والمؤشر، والقرار الذي صدر بناءً عليه.
فالاعتماد يقيس ما يمكن إثباته، ويفترض أن ما يمكن إثباته يقارب ما يجري فعلاً. وهذا افتراض سليم في الغالب، لكنه افتراض له شروط.
عبء موثق عالمياً
الأدبيات الدولية في ضمان الجودة تتحدث منذ عقود عن فجوة محتملة بين الشكل الرسمي والممارسة اليومية. وصفها عالما الاجتماع ماير وروان عام ١٩٧٧ حين لاحظا أن المنظمات تتبنى هياكلها الرسمية طلباً للشرعية أحياناً لا للكفاءة وحدها. ووجدت دراسة على مديري جودة في ألمانيا أن بعض المؤسسات تدير الجودة استجابةً لمطالب خارجية أكثر من كونها دورة داخلية، وحذّر باحثون في إيطاليا من انزلاق التقويم الجامعي نحو الشكليات.
والسبب في الغالب ليس ضعف النية. السبب عبء قابل للقياس. قدّرت دراسة أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية على ثلاث عشرة مؤسسة تعليمية أمريكية أن الامتثال التنظيمي يستهلك ما بين ٣ و١١٪ من المصروفات التشغيلية غير البحثية، وأن المنسوبين يقضون ما بين ٤ و١٥٪ من أوقاتهم في أعماله.
ويتضح مصدر هذه النسبة حين تُفصَّل. عضو هيئة التدريس مطالَب بأن يصمم تقويماً ينتج دليلاً قابلاً للقياس، وأن يصحح وفق مرجع حكم، وأن يجمع النتائج عبر الشُعب، وأن يوثق ما وجده، ثم يقترح تعديلاً ويعيد الدورة. يُضاف هذا إلى نصاب تدريسي كامل. وحين لا يسنده نظام، يصبح إنجازه في موسم واحد أقرب إلى الممكن من إنجازه على مدار السنة. ولهذا تحديداً تستثمر المؤسسات حول العالم في الأنظمة، لا لأن أحداً يشك في نياتها.
الكلفة كانت هي الضمان
وهنا ملاحظة تفسّر نجاح الاعتماد طوال أربعين سنة رغم كل ما سبق.
بناء ملف اعتماد مؤسسي كامل لم يكن يوماً عملاً كتابياً. كان يتطلب جمع بيانات من وحدات متعددة لا تتحدث أنظمتها مع بعضها، وتوحيد تعريف المؤشر بينها قبل جمعه، ومتابعة عشرات الأشخاص على مدى عام أو عامين. قدّرت إحدى الجامعات الأمريكية أن كلية واحدة فيها تصرف أكثر من خمسة آلاف ساعة عمل سنوياً على ما ترفعه لجهة اعتمادها.
فالملف كان دليلاً بسبب ثمنه، لا بسبب محتواه وحده. وهو منطق الإشارة المكلفة كما يُفهم في الاقتصاد: ما يصعب إنتاجه يستحق التصديق، لأن القدرة على إنتاجه مرتبطة بقدرة مؤسسية حقيقية.
بعبارة أدق: الاعتماد لم يكن يقيس الجودة مباشرة. كان يقيس كلفة إثباتها. وكان هذا تقريباً جيداً ما دامت الكلفة مرتفعة.
حين رخص الإثبات
ما تغيّر أن إنتاج الوثيقة صار أيسر بكثير. نموذج لغوي جيد يصوغ اليوم نصاً متماسكاً بلغة المعايير ومصطلحاتها في وقت قصير. فلم يعد صقل الوثيقة في ذاته مؤشراً على ما وراءها، لأن الصقل متاح للجميع بالكلفة نفسها.
وقد تحركت جهات الاعتماد سريعاً. اعتمدت لجنة الولايات الوسطى للتعليم العالي سياسة تشترط الاستخدام النظامي والأخلاقي والشفاف والآمن للذكاء الاصطناعي، وتُبقي المؤسسة مسؤولة عن دقة مواد الاعتماد وسلامتها.
لكن الشطر الثاني من التحول هو الخبر السار، وهو أقل تداولاً: التحقق رخص أيضاً. في تجربة موثقة لمراجعة تقارير اعتماد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، نبّهت الأداة إلى رقمين متعارضين للمؤشر نفسه في موضعين من الدراسة الذاتية، وأتاحت فحص الأقسام كلها بالاتساق نفسه بدل المرور السريع على بعضها.
هذا في مصلحة المؤسسة التي تملك نظاماً فعلياً. فالمراجعة الدقيقة المتكررة تكافئ من تخرج أرقامه من مصدر واحد متسق، وكان هذا الاتساق سابقاً مجهوداً لا يراه أحد.
والخلاصة أن السؤال ينتقل من الوثيقة إلى مصدرها: من أين خرج هذا الرقم، ومتى، وهل يخرج كما هو لو طُلب مرة أخرى بعد شهر؟
هندسة المصدر الواحد
هذه مسألة هندسية أكثر منها إدارية. والفرق بين مؤسسة تُنتج أثرها تلقائياً وأخرى تُعيد بناءه عند الطلب يظهر في ثلاثة مواضع:
المؤشر يُولَد حيث يقع العمل. نسبة إكمال الطلاب تخرج من نظام التسجيل، ومعدلات الحضور من نظام الموارد البشرية، لا من جدول يُعبَّأ يدوياً. وكل نقل بشري للمؤشر يفتح باباً للخطأ غير المقصود.
الوثيقة مخرَج لا مدخَل. التقرير يُبنى من النظام لحظة طلبه. وإن كانت المعلومة لا توجد إلا داخل التقرير، فما تملكه المؤسسة هو التقرير لا المعلومة.
الأثر يُسجَّل لحظة القرار. قرار المجلس يُوثَّق بتاريخه وحاضريه ومسوّغه وارتباطه بالوثيقة التي اعتمدها في حينه، لا عند إعداد قائمة الشواهد لاحقاً.
وثمة ملاحظة تخص مؤسساتنا في الخليج: الأدلة في الغالب موجودة، والصعوبة في تجميعها بالسرعة الكافية لمراجعة برنامج أو زيارة اعتماد. والفرصة هنا ليست في بناء لوحة مؤشرات منفصلة للجودة وحدها، بل في تقوية دورة الأدلة القائمة حتى تسحب الجودة والمراجعة والتحسين من البيانات ذاتها.
ولن أزعم أن هذا مسار رخيص. بناء المصدر الواحد أغلى في سنته الأولى، وعائده يظهر في الدورة الثانية لا الأولى.
قياس بسيط، واعتراض وجيه
سؤال واحد يكشف موقع المؤسسة من هذا الطيف: كم من الوقت تحتاج لتجميع ملف أدلتها لو طُلب منها اليوم؟ المدة مؤشر على نضج النظام أكثر من دلالة أي شهادة.
ويبقى اعتراض وجيه أقرّ به. كثير من التحسينات الحقيقية وُلدت داخل إعداد الدراسة الذاتية نفسه. فحين يجلس فريق البرنامج ليكتبها يكتشف أحياناً أن مخرَج تعلم لا يُقاس فعلاً، أو أن ممارسة جيدة لم تُكتب يوماً. الإلزام الخارجي أنتج نظراً في المرآة ما كان ليحدث طوعاً، وهذه قيمة حقيقية للاعتماد تُضاف إلى قيمته في حماية الطالب وضبط الحد الأدنى.
غير أن هذا يجعل الاعتماد منبّهاً دورياً ممتازاً، والمنبّه لا يغني عن نظام يعمل كل يوم. والمؤسسة التي ترى نفسها باستمرار تدخل الزيارة وهي تعرض ما هو قائم، لا ما جُمع لأجلها.
وهذا كل ما يبقى للتمييز في النهاية: المسافة بين ما تفعله المؤسسة وما تستطيع إثباته. وكلما قصرت هذه المسافة، قلّ ما تحتاج أن تقوله عن نفسها.
المصادر
١. أرقام اعتمادات سبتمبر ٢٠٢٦، هيئة تقويم التعليم والتدريب عبر مركز «اعتماد» https://www.alyaum.com/articles/6681564/
٢. المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي، الصفحة الرسمية للمعايير والإجراءات https://etec.gov.sa/ar/centers/ncaaa
٣. مسار الاعتماد المؤسسي عملياً: الدراسة الذاتية، ثم زيارة التحقق من شمولية الأدلة والشواهد https://www.alriyadh.com/1866104
٤. الانفصال بين الهيكل الرسمي والممارسة، ماير وروان ١٩٧٧، ومراجعة لتطبيقه على ضمان الجودة الجامعي https://www.frontiersin.org/journals/education/articles/10.3389/feduc.2025.1720224/xml
٥. ثلاثون عاماً من ضمان الجودة في التعليم العالي: شواهد ألمانيا وإيطاليا وفنلندا https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13538322.2024.2385793
٦. كلفة الامتثال التنظيمي، دراسة مجموعة بوسطن الاستشارية على ثلاث عشرة مؤسسة أمريكية https://news.vanderbilt.edu/files/Regulatory-Compliance-Report-Final.pdf
٧. ساعات العمل المصروفة على تقارير الاعتماد، مع نقاش نقدي يرى الأرقام مبالغاً فيها https://www.insidehighered.com/views/2015/10/22/real-costs-accreditation-and-processs-value-essay
٨. سياسة لجنة الولايات الوسطى للتعليم العالي بشأن الذكاء الاصطناعي في مواد الاعتماد https://www.ecampusnews.com/ai-in-education/2026/07/29/accreditations-ai-reckoning-can-colleges-still-prove-students-are-learning/
٩. مراجعة تقارير الاعتماد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وكشف تعارض الأرقام داخل الدراسة الذاتية https://arch.astate.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1009&context=ebs-tedu-facpub