أفق التعليم

15 ربيع الآخر 1448هـ 26 سبتمبر 2026م 12 دقيقة قراءة

من المقرر إلى المعمار:
ما يقوله تقرير كورنيل للجامعة السعودية

تقرير كورنيل عن مستقبل الجامعة يؤكد أن الأزمة في العقد التعاملي لا في التقنية، والدرس السعودي أن نقل الذكاء الاصطناعي من المقرر إلى معمار التعلم هو المرحلة التالية

بعد ثلاثة أشهر من سؤال مفتوح

في السابع والعشرين من يونيو الماضي كتبت في هذه الزاوية مقالاً بعنوان “الجامعة في مواجهة تقنيات العصر: فناء أم تحوّل؟”. وخلصت فيه إلى أن الجامعة لن تموت، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف دورها. وختمته بأن هذا التحول لا يحتاج إلى تمنيات، بل إلى قرارات مؤسسية جريئة تبدأ بالاعتراف بأن النموذج الراهن لم يعد كافياً.

وفي الثاني والعشرين من سبتمبر أصدرت جامعة كورنيل تقريراً من 238 صفحة، يجيب عن السؤال نفسه تقريباً. أعدّته لجنة من ثمانية عشر أستاذاً عملت عاماً كاملاً، واستمعت إلى أكثر من ستة آلاف صاحب مصلحة من الطلاب والأساتذة والموظفين والخريجين والمسؤولين والمنتقدين. ولم يبق التقرير وثيقة نقاش: أعلنت عميدة الشؤون الأكاديمية في الجامعة تبنّيه، وبدأت تحويله إلى خطة استراتيجية.

قرأت التقرير بشعورين. الأول ارتياح من يجد تشخيصه قد وصل إليه آخرون من طريق مستقل وبمنهج أوسع. والثاني قلق أهم: في مواضع عدة ذهب التقرير أبعد مما ذهبت، وفي موضع واحد على الأقل أظهر لي أن إجابتي في يونيو كانت صحيحة في اتجاهها وناقصة في عمقها. ومن هذا القلق يبدأ هذا المقال، فالسؤال عندنا لم يعد: هل تتغير الجامعة السعودية؟ السؤال: أين يجب أن يقع التغيير كي لا يكون تجميلاً لنموذج قديم؟

أين التقى المقال والتقرير

أبدأ بالإنصاف لما التقينا فيه، لأن التقاطع نفسه دليل على نضج التشخيص، لا على سبق أحد.

أولاً، رفض الخيارين السهلين. كتبت أن تراجع المكانة ليس إعلاناً بموت الجامعة، بل إنذار بأن نموذجها لم يعد يحكم المستقبل. واللجنة ترفض الطريقين معاً. فهي ترفض بقاء الجامعة على حالها. وترفض كذلك ما سمّته “طرقاً لا ينبغي سلوكها”: التحول إلى التعليم الإلكتروني الكامل، وتقصير مسار الشهادة لخفض التكلفة، وفرض منهج أساسي موحّد، والتحول إلى تعليم مهني، و”العودة” إلى الفنون الحرة كما كانت.

ثانياً، الغاية. سألت في يونيو: ما الذي تستطيع الجامعة تقديمه بعد أن صارت المعرفة متاحة بسخاء؟ وأجبت: بناء الحكمة، وتنمية التفكير المركّب، وتكوين إنسان قادر على توجيه التقنية لا مجرد استخدامها. والتقرير يصوغ الغاية في جملة واحدة: الجامعة منظومة تعلّم متكاملة متمحورة حول الإنسان، غايتها تنمية الحكم الرشيد.

ثالثاً، ما لا تمنحه الخوارزمية. ذكرت ثلاثة أشياء: التحقق الاجتماعي من الكفاءة، والانتماء إلى شبكة مهنية، والتجربة الإنسانية للتفكير النقدي في بيئة تحدٍّ جماعي. ويبني التقرير رؤيته على خمسة التزامات، منها التداول الرصين والحوار الجاد، والروابط المتينة مع الجمهور، والمجتمع الجامعي شديد الترابط. وهي الأشياء الثلاثة نفسها، مصوغة بلغة المؤسسة لا بلغة المقال.

رابعاً، الشهادة المصغرة. كتبت أنها “لا تربّي بل تدرّب”. واللجنة تتفق على أنها لا تغني عن الجامعة.

حيث ذهب التقرير أبعد مني، هنا الجزء الأهم، وأعرضه بلا تحفظ.

في التشخيص. ألقيت اللوم في يونيو على المقررات التلقينية وامتحانات الحفظ. والتقرير يرى أن الحفظ عَرَض، وأن المرض في موضع آخر: صار التعليم الجامعي يُعامل سلعةً وصفقةً بين الأسرة والطالب والجامعة وصاحب العمل. ويميّز بين نموذجين:

النموذج التعاملي: قيمة التعليم فيه تكمن في الشهادة بوصفها إشارة إلى أن التعلم حدث. والفضول فيه عبء، لأن المجازفة الفكرية تهدد المعدل والسيرة الذاتية. النموذج التحويلي: قيمة التعليم فيه تكمن في نتائج التعلم نفسها، في الخريج الذي تغيّر.

هذا تشخيص أعمق مما كتبت. فلو ألغينا الحفظ غداً وبقي العقد التعاملي، لوجد الطالب طريقاً آخر لتحسين الإشارة بدل تحسين التعلم.

في الشهادات المصغرة. لم يكتف التقرير بالتحذير الذي اكتفيت به. بل أوصى بحقيبة من الشهادات المصغرة القابلة للتراكم، وبنموذج اشتراك للتعلم مدى الحياة، داخل الجامعة لا خارجها. فالسؤال عنده ليس “الجامعة أم الشهادة المصغرة”، بل: من يحدد معنى الشهادة المصغرة، ومن يربطها بمسار تعلّم له غاية؟

في الذكاء الاصطناعي. لا يجعله التقرير مقرراً يُضاف. بل يوصي بإعداد الطلاب لممارسة الحكم على الذكاء الاصطناعي وما يتجاوزه عبر المنهج كله. ويوصي باستعادة قرار استخدام التقنية أو عدم استخدامها بوصفه قراراً مؤسسياً، لا أمراً يُترك للمورّد أو للعادة.

في المنهج نفسه. لم تكتب اللجنة تقريرها من مكاتبها. حلّلت نحو أربعمئة وثيقة من مدخلات أصحاب المصلحة على جولتين، بمساعدة وكيل ذكاء اصطناعي، ثم دققت النتائج بشرياً. ووضعت عتبة صريحة لما يُعد رأياً مشتركاً: أن يرد في أربع وثائق على الأقل، من ثلاث فئات مختلفة من المشاركين. ثم نشرت التقرير بوصفه “توافقاً لا إجماعاً”، وختمه عشرة من أعضائها بتأملات فردية تخالف بعض ما فيه. أي أن الجامعة استخدمت التقنية التي تناقشها لتحسين تداولها الداخلي، لا لاستبداله. وهذا بحد ذاته درس لم يخطر لي في يونيو.

في الحوكمة والثقة. يخصص التقرير فصلاً كاملاً لما يسميه “المواطنة الأكاديمية”، أي الأعراف التي تجعل الأساتذة والموظفين والطلاب شركاء في القرار. ويصوغ خلاصته عن الثقة العامة في جملة واحدة: الثقة ليست مشكلة تواصل فحسب، بل مشكلة علاقة.

الإطار: الشهادة إشارةً والتعلّم نتيجةً

للتمييز الذي يقيمه التقرير جذر معروف في الاقتصاد. في عام 1973 نشر الاقتصادي مايكل سبنس ما صار يُعرف بـ”نظرية الإشارة في سوق العمل”، ونال عنها لاحقاً جائزة نوبل. وخلاصتها أن صاحب العمل لا يرى قدرات المتقدم مباشرة، فيعتمد على إشارة مكلفة يصعب تزييفها، والشهادة الجامعية أشهر هذه الإشارات. وفي هذا المنطق لا يهم كثيراً ما تعلّمه الطالب، بل أنه احتمل كلفة الحصول على الشهادة.

وهنا يقع الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي، وهو في ظني أعمق مما يُطرح عادة. فالنقاش الشائع يدور حول الغش والنزاهة الأكاديمية. لكن المسألة أبعد من ذلك: الذكاء الاصطناعي يخفض كلفة إنتاج الإشارة. البحث الذي كان يستغرق أسبوعاً يُنتَج في دقيقة. والمقال الذي كان دليلاً على قدرة الكتابة لم يعد دليلاً على شيء. وحين ترخص الإشارة تفقد قيمتها، ولا يبقى ذا قيمة إلا ما وصفه التقرير بنتائج التعلم.

ولهذا تفشل كثير من الإصلاحات التي تستهدف المحتوى وتترك الحوافز كما هي. ففي الاقتصاد قاعدة تُنسب إلى تشارلز غودهارت: حين يتحول المقياس إلى هدف، يكفّ عن أن يكون مقياساً جيداً. والمعدل التراكمي مثال صريح. صُمم ليقيس التعلم، فصار هدفاً يُطارَد لذاته. فإن أضفنا مقرراً جديداً وقسناه بالطريقة نفسها، عاد الطالب العاقل إلى السلوك نفسه: يحسّن الدرجة لا الفهم. ولا لوم عليه في ذلك، فهو يستجيب للنظام الذي صممناه.

وصف الصورة

أطروحة المقال: التقنية لا تهدد الجامعة، لكنها تهدد العقد الذي قامت عليه الجامعة الحديثة، وهو أن الشهادة إشارة كافية. والجامعة التي تستجيب للتقنية بإضافة مقرر إلى هذا العقد تنتج إشارة جديدة، لا تعلّماً جديداً.

الإسقاط على البيئة السعودية

لا يصح الإسقاط قبل الوصف المنصف، والوصف هنا يستحق الإشادة.

السرعة. أدرجت المملكة منهجاً للذكاء الاصطناعي في جميع مراحل التعليم العام ابتداءً من العام الدراسي 2025–2026، ويستفيد منه أكثر من ستة ملايين طالب وطالبة. وأظهر التقرير السنوي لبرنامج تنمية القدرات البشرية لعام 2025 أن 79% من الجامعات السعودية أدرجت مقررات التقنية والذكاء الاصطناعي في برامجها الأكاديمية. وأكثر من ثلاثين جامعة جعلت هذا المقرر إلزامياً على جميع طلابها بصرف النظر عن التخصص. وقلّة من الأنظمة التعليمية في العالم تحركت بهذه السرعة وعلى هذا النطاق.

البنية النظامية. منح نظام الجامعات الجديد الجامعات المشمولة به استقلالية منضبطة، تبني بها لوائحها الأكاديمية والمالية والإدارية وفق السياسات العامة للدولة، مع مجلس أمناء لكل جامعة يضم أعضاء من خارجها. وهذه بالضبط الأداة التي يحتاجها قرار تعليمي من نوع “أين نستخدم التقنية وأين لا نستخدمها”.

الشهادات المصغرة. للمملكة تعريف رسمي لها عبر المركز الوطني للتعليم الإلكتروني: وثيقة تثبت تحقيق المتعلم مخرجات تعلّم مركّزة في مجال محدد وفي وقت قصير، تمنحها جهة موثوقة بناءً على معايير تقييم واضحة. فالأرضية التي بنت عليها كورنيل توصيتها موجودة عندنا بإطار وطني.

وهنا يأتي الإسقاط، بوصفه سؤال المرحلة التالية لا نقداً للمرحلة الأولى.

المقرر الإلزامي في الذكاء الاصطناعي يجيب عن سؤال مهم: هل يعرف الخريج الذكاء الاصطناعي؟ لكن تقرير كورنيل يطرح سؤالاً آخر: هل يمارس الخريج الحكم مع الذكاء الاصطناعي وما وراءه، في تخصصه نفسه؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين المقرر والمعمار. فالمقرر يُدرّس في ثلاث ساعات معتمدة. أما المعمار فهو الطريقة التي يُقوَّم بها الطالب في كل المقررات الأخرى، وما تقوله شهادته عنه، ومن يقرر كيف تدخل التقنية قاعة الدرس.

ولتوضيح الفرق، لنأخذ برنامجاً في المحاسبة مثالاً افتراضياً. في منطق المقرر يدرس الطالب مقرر الذكاء الاصطناعي في سنته الأولى، ثم يعود إلى مقررات تُقوَّم بالطريقة المعتادة. أما في منطق المعمار فيحدد البرنامج أين يُطلب من الطالب استخدام الأدوات الذكية: في تحليل البيانات المالية الكبيرة، وفي صياغة المسودات الأولى للتقارير. ويحدد كذلك أين تُمنع هذه الأدوات عمداً: في الحكم المهني على قضية ملتبسة، حيث يدافع الطالب شفهياً عن قراره أمام أستاذه وزملائه. ثم يسجل البرنامج ذلك الحكم الموثّق دليلاً على كفاءة، لا درجةً في خانة. المقرر واحد في الحالتين. الذي تغيّر هو كل ما حوله.

وإن بقي المقرر داخل العقد التعاملي، صار سطراً آخر في السجل الأكاديمي: إشارة جديدة إلى معرفة بالذكاء الاصطناعي، في وقت يخفض فيه الذكاء الاصطناعي نفسه قيمة كل إشارة.

وما الجديد الذي يجعل هذا السؤال عاجلاً الآن؟ أمران. الأول أن الجامعات ستستقبل تباعاً طلاباً درسوا الذكاء الاصطناعي في المدرسة. هؤلاء لن يروا في المقرر الجامعي التمهيدي جديداً، وسيحكمون على الجامعة بما تفعله بالتقنية في تخصصاتهم، لا بما تقوله عنها. والثاني أن تقريرين من جامعتين أمريكيتين عريقتين صدرا في عام واحد: تقرير ييل عن الثقة في أبريل، ثم تقرير كورنيل في سبتمبر. وكلاهما يعترف بأن الجامعة أسهمت في أزمتها، ولم تكن ضحيتها فقط. هذا الاعتراف المؤسسي العلني مادة يمكن أن نتعلم منها قبل أن نحتاج إليها.

ويضاف إلى ذلك أمر ثالث أقل وضوحاً. أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها تغيرت خلال العام الأخير. لم تعد مساعداً يجيب عن سؤال، بل صارت وكلاء ينفذون مهاماً كاملة: يبحثون، ويحللون، ويكتبون، ويراجعون. وتقرير كورنيل نفسه شاهد على ذلك، فقد حُلّلت مدخلاته بوكيل من هذا النوع. ومعنى ذلك أن المسافة بين ما يستطيع الطالب إنتاجه بمفرده وما يستطيع تقديمه بمساعدة الآلة تتسع كل فصل دراسي. وكل تقويم لا يأخذ هذه المسافة في حسابه يقيس شيئاً لم يعد موجوداً.

وصف الصورة

قياس واعتراض

سؤال يقيس به القارئ موقع جامعته: لو سُمح غداً لكل طالب باستخدام الذكاء الاصطناعي في كل تقييم بلا قيد، فكم من شهادات الجامعة سيبقى دالاً على قدرة حقيقية؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تحدد المسافة بين المقرر والمعمار.

أقوى اعتراض: السياق الأمريكي لا ينتقل إلينا. أزمة كورنيل وييل أزمة ثقة عامة متراجعة، ورسوم دراسية تتجاوز دخل الأسرة، وتوتر مع الحكومة الفيدرالية حول تمويل البحث. والجامعات الحكومية عندنا لا تفرض في الغالب رسوماً على طلابها السعوديين في البكالوريوس، وتحظى بدعم الدولة ضمن رؤية واضحة، والطلب عليها لا يتراجع. فاستيراد التشخيص الأمريكي يخترع مشكلة غير موجودة.

والرد: الاعتراض صحيح في جزء ويغفل جزءاً. صحيح أن أزمة الثقة العامة والتوتر مع الحكومة الفيدرالية أمريكيان في تفاصيلهما، ولم أنقل منهما شيئاً إلى هذا المقال. لكنه يختزل التعليم العالي السعودي في الجامعات الحكومية، والقطاع الأهلي يتسع. فالمملكة تضم اليوم ثمانياً وثلاثين جامعة وكلية أهلية، ونظام الجامعات الجديد يتيح افتتاح فروع لجامعات أجنبية داخلها. وحيث تدفع الأسرة رسوماً، يصير سؤال القيمة الذي يشغل تقرير كورنيل سؤالاً مباشراً: ماذا تنال الأسرة مقابل ما تدفع، شهادةً أم تعلّماً؟ والجامعة الأهلية التي تجيب عن هذا السؤال بنتائج تعلّم موثقة تملك ميزة تنافسية حقيقية، في سوق يزداد فيه عدد الخيارات أمام الأسرة كل عام.

ثم إن العقد التعاملي ليس أمريكياً، ولا مرتبطاً بالرسوم وحدها. هو قائم في كل نظام تكون فيه الشهادة بوابة إلى الوظيفة، مجانية كانت أو مدفوعة. وأثر الذكاء الاصطناعي على قيمة الإشارة لا يعرف الحدود. بل إن ما ألاحظه من اتجاه متزايد لدى أصحاب العمل عندنا إلى اختبار المهارة مباشرة، إلى جانب الشهادة، يجعل سؤال الإشارة أكثر إلحاحاً لا أقل. والفرق الحقيقي في صالحنا: الجامعة الأمريكية تعالج الأزمة بعد وقوعها، ونحن نملك فرصة معالجتها قبل ذلك، وبأدوات نظامية قائمة.

ويبقى توتر لا أملك له حلاً كاملاً. سرعة التجربة السعودية جاءت من التوجيه الوطني المركزي، وهي ميزة واضحة. أما التعلم المتمحور حول الحكم فيحتاج إلى تجريب محلي داخل كل تخصص وكل قسم، ويحتمل الاختلاف بين جامعة وأخرى. والتوفيق بين الاثنين سؤال مفتوح يستحق أن يُطرح صراحة.

توصيات للجامعة السعودية

  1. من مقرر الذكاء الاصطناعي إلى الحكم عبر المنهج. أن يحدد كل برنامج أكاديمي، في توصيفه المعتمد، المواضع التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي في تعلّم التخصص، والمواضع التي يُمنع فيها عمداً، مع سبب تربوي لكل منهما. فالمقرر الإلزامي يبقى أساساً، والبناء يكون فوقه.

  2. إعادة تصميم التقويم حول ما لا يُولَّد. أن تنتقل الأوزان تدريجياً من المنتجات التي تستطيع الآلة إنتاجها إلى ما لا تستطيعه: الدفاع الشفهي، والمشاريع العملية بمقياس إنساني، وتوثيق مسار التفكير لا نتيجته فقط. وهذا يتسق مع توصية كورنيل بتعليم عملي قائم على المشاريع.

  3. سجل يصف النتيجة لا الإشارة. أن يُستكمل السجل الأكاديمي بسجل مهارات وإنجازات موثّق، يربط ما أنجزه الطالب بمخرجات تعلّم محددة، ويتسق مع الإطار الوطني للمؤهلات. فحين تضعف قيمة الإشارة، يصبح الدليل على النتيجة هو الشهادة الحقيقية. وفي الجامعات الأهلية يصير هذا السجل كذلك إجابة الجامعة الواضحة للأسرة عن سؤال القيمة.

  4. الشهادات المصغرة داخل الجامعة لا في مواجهتها. أن تبني الجامعات مسارات من الشهادات المصغرة القابلة للتراكم نحو الدرجة، وتفتحها لخريجيها مدى الحياة، مستفيدة من الاستقلالية التي يمنحها نظام الجامعات ومن الإطار الوطني للمركز الوطني للتعليم الإلكتروني. فالشهادة المصغرة تدرّب، كما كتبت في يونيو. لكن الجامعة تستطيع أن تجعل التدريب جزءاً من مسار يربّي.

  5. قرار التقنية قرار تداولي. أن يُنشأ في كل جامعة إطار حوكمة يقرر اعتماد التقنيات التعليمية ويراجعها دورياً، ويشارك فيه الأساتذة والطلاب والموظفون، ولا يُترك للمورّدين أو للاجتهاد الفردي. وهذه ترجمة عملية لما يسميه التقرير “المواطنة الأكاديمية”.

  6. تقرير مستقبل لكل جامعة. أن تُجري الجامعات السعودية مراجعات ذاتية من طراز تقرير كورنيل. تستمع فيها إلى المؤيدين والمنتقدين معاً، وتنشر مواضع التوافق ومواضع الخلاف، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل المدخلات مع تدقيق بشري صريح، كما فعلت اللجنة نفسها. فالمنهج هنا لا يقل قيمة عن النتائج.

في يونيو ختمت بأن التحول يبدأ بالاعتراف بأن النموذج الراهن لم يعد كافياً. وأضيف اليوم ما تعلّمته من تقرير كورنيل: الاعتراف وحده لا يكفي إن كان التغيير سيقع في المقرر وحده. التغيير الذي يصمد يقع في المعمار.

المصادر تقرير لجنة مستقبل الجامعة الأمريكية كاملاً، جامعة كورنيل، 22 سبتمبر 2026. يسند التمييز بين النموذجين، والطرق المرفوضة، وتوصيات الذكاء الاصطناعي والشهادات المصغرة والتعليم القائم على المشاريع، وفصل المواطنة الأكاديمية، وجملة الثقة بوصفها علاقة، وحجم اللجنة وعدد المشاركين والالتزامات الخمسة: https://provost.cornell.edu/_files/initiatives/future-of-the-american-university-full-report.pdf بيان عميدة الشؤون الأكاديمية في كورنيل. يسند تبنّي التقرير والشروع في تحويله إلى خطة استراتيجية: https://statements.cornell.edu/2026/20260922-future-of-the-american-university.cfm تقرير لجنة ييل عن الثقة في التعليم العالي، 10 أبريل 2026. يسند صدور تقرير ييل في العام نفسه واعترافه بمسؤولية الجامعة: https://president.yale.edu/sites/default/files/2026-04/Report-of-the-Committee-on-Trust-in-Higher-Education.pdf وكالة الأنباء السعودية، 28 يوليو 2026. تسند نسبة 79% من الجامعات، وأكثر من 30 جامعة جعلت المقرر إلزامياً، وعدد المستفيدين من منهج التعليم العام: https://www.spa.gov.sa/N2643160 وكالة الأنباء السعودية، 10 يوليو 2025. تسند إدراج منهج الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل التعليم العام ابتداءً من 2025–2026: https://www.spa.gov.sa/N2355399 وزارة التعليم، أبرز ملامح نظام الجامعات الجديد. تسند الاستقلالية المنضبطة، ومجالس الأمناء بعضوية خارجية، وإتاحة فروع الجامعات الأجنبية: https://www.moe.gov.sa/ar/mediacenter/MOEnews/Pages/h-1441-jh.aspx المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، الشهادات المصغرة ومستقبل التعليم العالي. يسند التعريف الوطني للشهادة المصغرة: https://nelc.gov.sa/articles/micro-credentials-and-the-future-of-higher-education الموسوعة السعودية، الجامعات في المملكة. تسند عدد الجامعات والكليات الأهلية (ثمانٍ وثلاثون): https://saudipedia.com/en/universities-in-saudi-arabia مقال الكاتب “الجامعة في مواجهة تقنيات العصر: فناء أم تحوّل؟”، زاوية أفق التعليم، 27 يونيو 2026.

شارك المقال
كل المقالات