مؤشر يُقرأ لا مؤشر يُحاسَب عليه
قائمة أعلى ٢٪ من الباحثين الأكثر استشهاداً موقع نسبي محسوب من قاعدة واحدة. والسؤال ليس في صدقها، بل في أين توضع داخل نظام الأداء الجامعي.
موسم القوائم
صدرت هذا العام نسخة جديدة من قاعدة مؤشرات الاقتباس الموحدة التي يعدّها فريق بحثي في جامعة ستانفورد، وتُنشر على مستودع بيانات تابع لأحد كبار ناشري الدوريات. وتتابعت بعدها إعلانات عدد من الجامعات السعودية بأسماء منسوبيها الذين أُدرجوا فيها، بأعداد تبلغ عشرات الباحثين في الجامعة الواحدة.
والتهنئة هنا مستحقة بلا تحفظ. فما بلغه هؤلاء ثمرة سنوات من العمل، وحضورهم في قائمة عالمية مكسب لهذا الوطن.
وما يلي ليس في الباحثين ولا في القائمة، بل في الموضع الذي توضع فيه داخل نظام الأداء الجامعي.
ما تقيسه القائمة بالضبط
القائمة ليست جائزة تُمنح، ولا لجنة تحكيم تقرأ أعمال الباحث.
هي ترتيب يُحسب من مؤشر مركّب يجمع ستة مقاييس للاقتباس: إجمالي الاقتباسات، ومؤشر الإنتاج والأثر، ونسخة منه معدّلة بعدد المؤلفين المشاركين، واقتباسات الأوراق منفردة التأليف، واقتباسات ما كان الباحث فيه مؤلفاً أول أو منفرداً، ثم ما كان فيه مؤلفاً أخيراً كذلك.
ثم تُطبَّق نسبة الاثنين في المئة داخل كل تخصص فرعي على حدة، وعددها ١٧٤ تخصصاً. ولهذا فإن الإدراج موقع نسبي داخل تخصص الباحث، لا حكم مطلق على قيمة عمله. والقائمة تصدر في نسختين: واحدة لأثر العمر المهني كله، وأخرى لأثر سنة واحدة، وقد ضمّت النسخة الأخيرة من قاعدة العمر المهني ٢٣٠٣٣٣ باحثاً.
ولهذا التفصيل أثر عملي يغفل عنه كثير من القراءة السريعة: أن حجم التخصص الفرعي وكثافة الاقتباس فيه يدخلان في النتيجة. فالباحث في مجال سريع الاقتباس كثير النشر لا يُقاس بالمسطرة نفسها التي يُقاس بها زميله في مجال يُنشر فيه أقل ويُقتبس فيه أبطأ. والمقارنة بين مدرَجَين من تخصصين مختلفين، أو بين أعداد المدرجين في جامعتين تختلف خريطة تخصصاتهما، مقارنة بلا معنى.
وهذا كله لا ينتقص منها. فهي أداة مفيدة فعلاً: تعطي الجامعة صورة سريعة عن أين تتركز قوتها البحثية، وأي تخصصاتها يصل إنتاجه إلى من يبني عليه، وأي باحثيها صار مرجعاً في مجاله. وهي بيانات مفتوحة يمكن لأي جهة تحميلها وتحليلها، وهذه ميزة نادرة.
ما أضافه هذا العام
في يونيو الماضي نشرت دورية علم القياسات العلمية دراسة طبّقت أربعة مرشّحات تصحيحية على النسخة الثامنة من القاعدة. استُبعد بها ١٠٠٢٠ اسماً، أي ٤.٣٥٪، وكان أكبرها أثراً استبعاد من لم ينشر شيئاً منذ عام ٢٠٠٩. ومع ذلك بقي ٩٩.٣٪ من أول ألف اسم في مواضعهم، وظل الارتباط الرتبي تاماً.
أي أن قمة القائمة متينة، وأن الخلل يقع في ذيلها.
وفي أغسطس نشرت الدورية نفسها دراسة ثانية من زاوية أخرى: التغطية. فحصت ٦٠٠ باحث مدرج، طابقت منهم ٥٦٤، فوجدت أن القاعدة التي تُبنى عليها القائمة تغطي ٤٥.٣٪ من نتاجهم وسيطاً. أي أن أقل من نصف ما نشره الباحث المدرج هو ما دخل الحساب.
والأهم أن هذه التغطية ليست موزعة بالتساوي. فالباحثون الذين ترتفع حصتهم في دوريات الناشر صاحب القاعدة تُغطّى أعمالهم بنسبة ٦٤٪، مقابل ٣٣.٤٪ لمن تقل حصتهم، بفارق يقارب ٣١ نقطة مئوية يبقى قائماً حتى عند المقارنة بين دوريات متقاربة في أثرها. وباحثو الإنسانيات، حيث الكتاب وعاء أساسي للنشر، تقل تغطيتهم عن نظرائهم في العلوم الطبيعية بـ٤٣.٦ نقطة مئوية.
ثم الرقم الأبلغ: حين أعادت الدراسة الحساب باستخدام قاعدة مفتوحة أوسع، تحرك ترتيب الباحث الفرد بوسيط يقارب ١٤٢ ألف مركز.
مئة وأربعون ألف مركز ليست خطأً في القياس. هي اختلاف في تعريف ما يُقاس.
ما قاله بيان ليدن قبل عشر سنوات
في عام ٢٠١٥ نشرت دورية نيتشر بياناً عُرف ببيان ليدن لمؤشرات البحث، وضع عشرة مبادئ لاستعمال المؤشرات الكمية في تقييم البحث العلمي.
ثلاثة منها تخص ما نحن فيه. الأول أن يكون القياس الكمي سنداً للتقييم النوعي القائم على رأي الخبراء، لا بديلاً عنه. والثاني أن يُمكَّن من يُقاس بهم من التحقق من البيانات والتحليل الذي بُني عليه تقييمهم. والثالث أن تُراجَع المؤشرات وتُحدَّث دورياً، لأن نظام التقييم نفسه يغيّر سلوك من يُقاس به.
والبيان لا يدعو إلى رفض المؤشرات، بل إلى وضعها في موضعها الصحيح.
أربعة شروط تفصل بين موضعين
وهنا الادعاء الذي أطرحه: الفرق بين مؤشر يُقرأ ومؤشر يُحاسب عليه ليس في جودة قياسه، بل في أربعة شروط يملكها أو لا يملكها.
أن تملك الجهة مدخلاته. المحاسبة تفترض أن المحاسَب يستطيع الاعتراض بالدليل. ومن لا يملك البيانات لا يستطيع أن يقول: حسابكم أغفل نصف ما نشرت.
أن تكون منهجيته ثابتة أو معلنة التغيّر مسبقاً. وإلا قيس أداء هذا العام بمسطرة غير مسطرة العام الماضي، ونُسب الفرق إلى الجهد لا إلى المسطرة.
أن يتصل برسالة الجهة. فالجامعة التي تخدم احتياجاً محلياً، أو تنشر في مجالات بطيئة الاقتباس، تقيس أثرها الحقيقي بأدوات أخرى.
أن يكون قابلاً للتأثير فيه بسلوك مشروع فقط. فإن وُجدت طريق قصيرة لرفعه، سُلكت.
وهذه الشروط لا تُسأل عن المؤشر في ذاته، بل عن العلاقة بينه وبين من سيُحاسب به. فالمؤشر نفسه قد يصلح للمحاسبة في جهة تملك بياناته، ولا يصلح في أخرى لا تملكها.
والقائمة تسقط في الشرطين الأولين تحديداً. لا لأنها رديئة، بل لأنها ليست ملك الجامعة: بياناتها لدى طرف ثالث، وتغطيتها متفاوتة بين الناشرين والتخصصات، ومنهجيتها محل تصحيح منشور في العام نفسه الذي صدرت فيه.
أما شرطها الرابع فظاهر: إذا صار الإدراج مستهدفاً في بطاقة الأداء، تحرك السلوك نحو ما يرفعه. أوراق أقصر وأسرع اقتباساً، ونشر في الدوريات التي تُغطّى لا في الدوريات التي تُقرأ، وتوسيع في التأليف المشترك بما يخدم المؤشر لا البحث.
أسئلة قبل إدخال أي مؤشر خارجي
قبل أن ينتقل مؤشر من لوحة القراءة إلى بطاقة الأداء، أربعة أسئلة تكشف موضعه الصحيح. وليست أسئلة نظرية، فجواب كل واحد منها متاح في دقائق:
من يملك البيانات، وهل نستطيع إعادة حسابها بأنفسنا؟ إن كان الجواب لا، فالمؤشر للقراءة.
هل تغيّرت منهجيته في آخر ثلاث سنوات دون إعلان مسبق؟ إن كان نعم، فأي مقارنة زمنية عليه مضللة.
إذا أراد باحث أن يرفع هذا المؤشر وحده، فما أقصر طريق أمامه؟ إن كانت الطريق الأقصر لا تحسّن بحثه، فالمؤشر غير صالح للتحفيز.
ماذا يبقى لنا إن توقف المصدر عن النشر غداً؟ إن انهار جزء من بطاقة الأداء، فقد بُني هدف مؤسسي على قرار جهة خارجية.
ويقال هنا إن رفع هذه المؤشرات من بطاقة الأداء يعني فقدان حافز حقيقي للتميز البحثي، وإن الجامعات لم تهتم بأثر أبحاثها إلا حين صارت تُقاس به. والملاحظة صحيحة في شقها التاريخي. لكن البديل المقترح ليس إلغاء القياس، بل نقله إلى مؤشرات تملكها الجامعة وتستطيع التحقق منها: نسبة الأبحاث التي تجاوزت عتبة اقتباس محددة بعد ثلاث سنوات، وعدد الأوراق المنشورة بشراكة دولية، ونصيب البحث من الميزانية الذاتية. وهذه كلها تُحسب من بيانات الجامعة، ويستطيع الباحث أن يراجع حسابها.
خاتمة
القائمة تقول للجامعة شيئاً صادقاً عن موقعها النسبي، محسوباً من مصدر واحد له حدوده المعلنة.
وهذا يكفي لتكون أداة تشخيص ممتازة: تُقرأ، ويُسأل عن مدلولها، ويُحتفى بمن ورد فيها.
ولا يكفي لتكون هدفاً في خطة. فالهدف يجب أن يكون في يد من يُحاسَب عليه.
والجامعة التي تحتفي بباحثيها ثم تضع القائمة على لوحة القراءة لا على بطاقة الأداء، تكون قد أخذت منها خير ما فيها، ووفّرت على نفسها ما ليس فيها.
المصادر
- دورية علم القياسات العلمية (سَينتوميتركس)، دراسة محكّمة منشورة في ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ عن انحياز تغطية الناشر في قائمة أعلى ٢٪. تسند حجم العينة البالغ ٦٠٠ باحث والمطابق منها ٥٦٤، ووسيط التغطية ٤٥.٣٪، والفارق بين ٦٤٪ و٣٣.٤٪، وفجوة الإنسانيات البالغة ٤٣.٦ نقطة مئوية، ووسيط انتقال الترتيب الفردي البالغ نحو ١٤٢ ألف مركز عند تغيير القاعدة. https://link.springer.com/article/10.1007/s11192-026-05789-6
- دورية علم القياسات العلمية (سَينتوميتركس)، دراسة محكّمة منشورة في ١٢ يونيو ٢٠٢٦ عن الشذوذات المستمرة في القاعدة وأثر مرشّحات التصحيح. تسند حجم النسخة الثامنة البالغ ٢٣٠٣٣٣ باحثاً، واستبعاد ١٠٠٢٠ اسماً أي ٤.٣٥٪، وبقاء ٩٩.٣٪ من أول ألف، وأن أكبر المرشّحات أثراً هو استبعاد من لم ينشر منذ ٢٠٠٩. https://link.springer.com/article/10.1007/s11192-026-05682-2
- مستودع البيانات الناشر للقائمة، صفحة قاعدة مؤشرات الاقتباس الموحدة. تسند تركيب المؤشر من ستة مقاييس للاقتباس، وتطبيق نسبة ٢٪ داخل ١٧٤ تخصصاً فرعياً، وصدور نسختين إحداهما لأثر العمر المهني والأخرى لأثر سنة واحدة. https://elsevier.digitalcommonsdata.com/datasets/btchxktzyw
- دورية نيتشر، بيان ليدن لمؤشرات البحث، ٢٠١٥، المجلد ٥٢٠ الصفحات ٤٢٩ إلى ٤٣١. يسند المبادئ الثلاثة المستشهد بها: أن يسند القياس الكمي التقييم النوعي، وأن يتمكن المقيَّمون من التحقق من بياناتهم، وأن تُراجَع المؤشرات دورياً لأن التقييم يغيّر السلوك. https://www.doi.org/10.1038/520429A
- تغطيات صحفية سعودية، أكتوبر ٢٠٢٦، لإعلانات جامعات عن إدراج منسوبيها في النسخة الجديدة من القائمة. تسند المرساة الخبرية وحجم الإعلانات المتتابعة. https://www.akhbaar24.com/منوعات/68-باحثا-من-جامعة-الجوف-ضمن-قائمة-ستانفورد-لأفضل-2-من-العلماء-772223