الأوقاف

13 ربيع الآخر 1448هـ 24 سبتمبر 2026م 6 دقائق قراءة

أثرٌ يضيء الوطن

أرقام عطاء جامعة سليمان الراجحي، وقراءة فيما تعنيه المنحة والبحث العلمي والساعة التطوعية والشراكة.

ما الذي يضيء الوطن فعلاً

طبيب يُنهي مناوبته في مستشفى بعيد عن الرياض. وطالبة في السنة الثالثة ما كان لأسرتها أن تتحمل رسومها. وورقة علمية خرجت من مختبر في القصيم فاستشهد بها باحث في بلد آخر. وساعة أعطاها شاب لعمل تطوعي لم يكن مضطراً لإعطائها.

هذه أربع صور لا يجمعها شيء ظاهر. لكنها كلها، في هذه الحالة، ترجع إلى قرار واحد اتخذه رجل واحد: أن يوزّع ثروته على أبنائه وبناته في حياته، وأن يوقف الجزء الأكبر منها. وقد قال حين سُئل عن قيمة وقفه قبل نحو عشر سنوات إنها تجاوزت ستين مليار ريال.

المال حين يُوقف يخرج من دائرة التملّك إلى دائرة الغلة. لا يُباع ولا يُورث، ويبقى أصله ويجري نفعه. وهذه ليست صيغة مالية فحسب، بل قرار في الزمن: أن تختار نفعاً لا تراه كله، ولا تعرف أسماء من ينتفعون به بعد عقود.

وتحتفي هوية اليوم الوطني السادس والتسعين، تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، بستة من الطباع السعودية: الشجاعة والرؤية والأصالة والهمّة والجود والكرم. والوقف لا يجمع منها طبعاً أو طبعين، بل يجمعها كلها في فعل واحد.

فيه الجود الذي يعطي، والكرم الذي يعطي بلا منّ ولا انتظار مقابل. وفيه الشجاعة، إذ ليس هيّناً أن يتخلى رجل عن ملكه وهو حي وقادر، ويسلّمه إلى أيدٍ لم تولد بعد. وفيه الرؤية التي ترتّب العطاء ليبقى بعد صاحبه، فالجود وحده صدقة تنتهي بانتهاء المال، والجود حين تضبطه رؤية يصير مؤسسة تعمل قروناً. وفيه الهمّة، لأن الوقف لا يُنشأ ويُترك، بل يُنمّى ويُدار ويُحاسب عليه ناظره سنة بعد سنة. وفيه الأصالة، لأن الوقف ليس ابتكاراً إدارياً حديثاً، بل سنّة متصلة في هذه الأرض من قرون، ما زالت تُبنى بها المدارس والمساجد والمستشفيات.

وفي هذا المقال أعرض أرقام عطاء جامعة سليمان الراجحي، والجامعة كيان من كيانات الوقف لا الوقف كله، فما يلي جزء من عطاء أوسع لا صورته الكاملة. وأكتب عنها من داخل المنظومة، فليقرأ القارئ ما يلي على هذا الأساس.

المنح: حين ينفصل قرار الالتحاق عن قدرة الأب

في الجامعة ٥٩٠ منحة كاملة من الوقف والجهات الشريكة، منها ١٩٢ منحة مقدمة من الوقف مباشرة و٣٩٨ منحة بالشراكة مع جهات أخرى. ويُضاف إليها ١٥٥٩ منحة جزئية.

منح جامعة سليمان الراجحي: ٥٩٠ منحة كاملة من الوقف والجهات الشريكة، منها ١٩٢ منحة من الوقف و٣٩٨ منحة بالشراكة مع الجهات، و١٥٥٩ منحة جزئية

الرقم الأول يحتاج وقفة. فالمنحة الكاملة في تخصصات صحية تمتد ست سنوات أو أكثر ليست خصماً على فاتورة، بل إزالة للفاتورة من طاولة الأسرة كلها. ومعناها أن سؤال «هل نقدر؟» لا يُطرح أصلاً، وأن الطالب يُقبل بقدراته لا بقدرة أبيه.

أما المنحة الجزئية، وهي الأكثر عدداً هنا، فأثرها من نوع آخر قلّما يُنتبه إليه. ذلك أن التعثر المالي في التعليم الجامعي نادراً ما يقع عند باب القبول، بل يقع في منتصف الطريق: في السنة الثالثة أو الرابعة، حين يتغيّر دخل الأسرة أو يدخل أخ آخر الجامعة. والمنحة الجزئية في هذه اللحظة هي الفرق بين طالب يُكمل وطالب ينسحب وقد قطع نصف المسافة. وتكلفة الانسحاب في هذه المرحلة أعلى من تكلفة الإكمال، على الطالب وعلى المجتمع معاً.

ثم إن أثر المنحة لا يتوقف عند صاحبها. فالخريج الأول في أسرته يغيّر توقعات من بعده فيها، وتصبح الجامعة في بيته احتمالاً مألوفاً لا استثناءً بعيداً. وهذا أثر لا يظهر في أي جدول، ويظهر بعد عشر سنوات في إخوة صغار لم يكونوا في الحسبان.

البحث: أن يعود إليك غيرك

٢٢٤ بحثاً علمياً خلال عامَي (٢٠٢٥ و٢٠٢٦)، منها ١٩٨ بحثاً مفهرساً في قاعدة سكوبس و١٣٥ في قاعدة ويب أوف ساينس، و٨٤ منشوراً علمياً محكّماً، وسبع مبادرات ضمن استراتيجية البحث العلمي.

عطاء الجامعة في البحث العلمي خلال ٢٠٢٥ و٢٠٢٦: ٢٢٤ بحثاً علمياً، منها ١٩٨ مفهرساً في سكوبس و١٣٥ في ويب أوف ساينس، و٧ مبادرات ضمن استراتيجية البحث العلمي، و٤ باحثين ضمن أعلى ٢٪ الأكثر استشهاداً عالمياً

ثم رقم رابع مختلف عن سابقيه في طبيعته: أربعة باحثين ضمن أعلى ٢٪ الأكثر استشهاداً عالمياً.

الفرق أن الأرقام الثلاثة الأولى تقيس ما قدّمته الجامعة من معرفة. أما الرابع فيقيس ما بناه عليها باحثون آخرون. فقائمة أعلى ٢٪ تُبنى على الاستشهادات ومؤشرات ببليومترية مركّبة من قاعدة سكوبس، لا على عدد الأوراق المنشورة. أي أن دخولها لا يُنال بغزارة النشر، بل بأن يرجع إلى بحثك من يبحث بعدك.

وهذا، في تقديري، أدقّ تعبير عن «الأثر الممتد» الذي يتحدث عنه الفقهاء في الوقف. مال أوقفه رجل في القصيم، تحوّل إلى جامعة، صارت تنتج معرفة يقرؤها ويبني عليها باحثون لا يعرفون اسم الواقف ولا بلده.

التطوع: مدرسة لا رقم

أكثر من خمسين ألف ساعة تطوعية.

الساعة التطوعية سهلة العدّ، ولهذا يُساء فهمها. فهي تُقرأ عادة بوصفها خدمة قُدّمت للمجتمع، وهي كذلك. لكن أثرها الأعمق يقع في الاتجاه المعاكس: في المتطوع نفسه.

العمل التطوعي والشراكات في الجامعة: أكثر من ٥٠ ألف ساعة تطوعية، وأكثر من ٤٥ شراكة

طالب الطب الذي يقضي ساعاته في حملة توعية بحي شعبي يتعلم ما لا تعلّمه المحاضرة: كيف يخاطب من لا يعرف مصطلحاته، وكيف يبدو المرض حين يجاوره الفقر. وهذه ساعات تعيد تشكيل الطبيب الذي سيصير، لا ساعات يتبرع بها فحسب.

وعلى المستوى الوطني بلغ عدد المتطوعين في المملكة ١.٧ مليون متطوع في عام ٢٠٢٥، متجاوزاً مستهدف رؤية ٢٠٣٠ البالغ مليون متطوع قبل موعده. فالتطوع من أسرع مؤشرات القطاع غير الربحي نمواً. وما يبقى صعباً هو قياس ما يتركه في نفس صاحبه، لا إحصاء ساعاته.

الشراكات: مضاعفة الأثر

أكثر من ٤٥ شراكة.

وهذا رقم يُساء تقديره حين يُقرأ وحده، لأنه في ظاهره عدد اتفاقيات. لكن أثره يظهر حين يوضع بجانب رقم آخر في هذه الأرقام نفسها: ٣٩٨ منحة كاملة من أصل ٥٩٠ جاءت بشراكة مع جهات أخرى.

أي أن ثلثي المنح الكاملة تقريباً ثمرة شراكة. والشراكة هنا ليست بروتوكولاً موقّعاً، بل مضاعِف للغلة الوقفية: ريال الوقف حين يجد شريكاً يصير ريالين، والمقعد الدراسي الواحد يصير مقعدين. وهذه أوضح صور ما يسميه أهل القطاع رفع الأثر بالشراكة.

وتبقى الخطوة التالية في الشراكات أن يُروى ما أثمرته لا عددها وحده: كم منحة موّلته، وكم بحثاً مشتركاً أنتجته، وكم برنامجاً تدريبياً فتحته.

ثلاثة مبادئ

تتبّع الخريج لا المنحة

المنحة تنتهي يوم التخرج، وأثرها يبدأ بعده. فأين يعمل الخريجون؟ وكم منهم في المناطق التي تحتاجهم؟ وما الفرق بين مسار من حصل على منحة كاملة ومن لم يحصل؟ هذه أسئلة تُجاب ببيانات موجودة أصلاً، ولا تحتاج إلا أن تُربط.

احكِ ما بُني على البحث لا عدده

عدد الأبحاث مخرج. أما أن يُذكر بحث واحد غيّر بروتوكولاً علاجياً، أو دخل سياسة، أو بُني عليه عمل لاحق، فذلك ناتج. وقصة واحدة من هذا النوع أبلغ في نفس القارئ من ثلاثة أرقام.

افصل ما يُحصى عمّا يُروى

الساعة التطوعية والشراكة والمنحة تُحصى. أما ما تتركه في صاحبها فلا يُحصى ويُروى. والتقرير الذي يكتفي بالإحصاء يخسر نصف ما فعله، والذي يكتفي بالحكاية يخسر مصداقيته. والجمع بينهما ممكن في صفحة واحدة.

خاتمة

العزّ حين يُنسب إلى الطبع لا يُقصد به طبع الأفراد وحدهم، بل ما تحوّل منه إلى مؤسسات باقية. جودٌ أعطى، وكرمٌ لم ينتظر مقابلاً، وشجاعةٌ تخلّت عن الملك، ورؤيةٌ رتّبت العطاء، وهمّةٌ نمّته، وأصالةٌ وصلته بسنّة قديمة. فصار وقفاً، وصار من الوقف جامعة، وصار من الجامعة ما تقرؤه في هذه الأرقام.

والأثر الذي يضيء الوطن ليس الرقم في هذا المقال، بل الإنسان الذي وراء الرقم. والوقف الذي بدأ بمال رجل واحد، يُقاس اليوم بعدد من يقفون على أكتافه.

شارك المقال
كل المقالات