أفق التعليم

21 ربيع الآخر 1448هـ 2 أكتوبر 2026م 7 دقائق قراءة

اكتمال الأدوات لا يعني اكتمال المنظومة

الإطار الوطني للمؤهلات ومركزا الاعتماد والتدريب يجتمعان تحت مظلة واحدة. فما الذي يمنع المؤهلات المصغّرة من أن تسدّ فجوة سوق العمل؟

في العاشر من سبتمبر ٢٠٢٦ أطلقت هيئة تقويم التعليم والتدريب، عبر مركز «مسار»، المرحلة الأولى من الرخص المهنية التخصصية للمدربين في ستة عشر مجالاً، بالشراكة مع سبع جهات وطنية، من بينها وزارة السياحة وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك والهيئة السعودية للمهندسين والهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين. والمجالات المشمولة تشغيلية بامتياز: التصميم التعليمي، وتقويم واعتماد التدريب، والتخطيط وإدارة الاستراتيجية، وقياس تجربة المستفيد، ومؤشرات الأداء الرئيسة.

اقرأ الخبر مرة أخرى. جهة تنظيمية تعترف رسمياً بأن المحاسب القانوني والمهندس وأخصائي الضريبة يمكن أن يكونوا مدربين معتمدين، كلٌّ في مجاله، بشهادة من قطاعه المهني نفسه.

هذه ليست أخبار تدريب. هذه قطعة في جسر.

والسؤال الذي لا يجيب عنه الخبر: من يركّب القطع؟

ما هو قائم فعلاً

قبل المطالبة بشيء جديد، ينبغي الإنصاف فيما هو موجود. والصورة أقرب إلى الاكتمال مما يُظن.

تحت مظلة هيئة واحدة يجتمع طرفا المعادلة. مركز «مسار»، المنشأ عام ٢٠١٧، يتولى الاعتماد المؤسسي والبرامجي لمنشآت التدريب، واعتماد برامجها، وتأهيل المدربين وترخيصهم، بمعايير غايتها أن تحقق تلك المنشآت متطلبات سوق العمل. وإلى جانبه مركز الاعتماد الأكاديمي الذي يتولى الطرف الآخر: مؤسسات التعليم العالي وبرامجها.

وبينهما لغة مشتركة. ففي الخامس من يوليو ٢٠٢٦ أطلقت الهيئة الإصدار الثالث من الإطار الوطني للمؤهلات، وأدرج فيه المؤهلات المهنية وشهادات البرامج القصيرة والشهادات الاحترافية، وطوّر آلية احتساب الساعات المعتمدة وساعات التعلم، وعزّز المواءمة مع أطر المؤهلات الدولية.

فالأعمدة الثلاثة قائمة: اعتماد التعليم، واعتماد التدريب، وإطار يصف الاثنين بمفردات واحدة. ومن يقول إن المنظومة ناقصة الأدوات لم يقرأ ما صدر هذا العام.

ما قالته الوثائق قبل ذلك بسنوات

ولم يكن تشخيص المشكلة غائباً أصلاً. وثيقة خطة تنفيذ برنامج تنمية القدرات البشرية تسمّي التحدي بلا مواربة: ضعف المواءمة بين مخرجات التعليم العالي والتدريب التقني والمهني ومتطلبات سوق العمل. ثم تضيف ما هو أدقّ: غياب نظام موحد ومرن للتنقل بين مسارات التعليم العالي والتعليم المهني والتقني، وعدم وجود إطار موحد للاعتراف.

لاحظ صياغة التشخيص. لم يقل إن التدريب ضعيف، ولا إن التعليم العالي منفصل عن الواقع. قال إن ما ينقص هو نظام التنقل بين المسارين. أي أن المشكلة في الوصلة، لا في الطرفين.

والأدبيات الدولية تقول الشيء نفسه بلغة أخرى. فمراجعة نطاقية نُشرت هذا العام في دورية فرونتيرز للتربية تخلص إلى أن المؤهلات المصغّرة تبقى، في سياقات كثيرة، هامشية بالنسبة إلى مسارات التعليم العالي الرسمية، وأن هذه الهامشية هي ما يحدّ من أثرها بعيد المدى. وتضيف أن أطر المؤهلات الوطنية هي ما يمنح المنظومة اتساقها وشرعيتها، وأن مشاركة أصحاب العمل في تحديد الكفايات هي ما يعالج ضعف اعترافهم بها لاحقاً.

ومراجعة أخرى في فرونتيرز لعلوم الحاسب، نُشرت قبل أيام، تحذر من التفاؤل المبكر: الأدلة على أثر هذه المؤهلات ما زالت وصفية مقطعية في معظمها، وتنقصها الشواهد الطولية. والمشكلات المزمنة ثلاث: تذبذب اعتراف أصحاب العمل، وضمان الجودة، وغياب معايير موحدة.

الأطروحة

وهنا الادعاء: ما ينقص ليس كياناً جديداً ولا أداة إضافية، بل وظيفة تنسيق مسؤولة ومسمّاة بين ما هو قائم.

التكامل بين مركزين تحت مظلة واحدة يبدو تحصيل حاصل، وهو ليس كذلك. فكل مركز يعمل بمعاييره وبدورة اعتماده وبجمهوره، وهذا سليم ومطلوب. لكن المؤهل المصغّر يقع بالضبط في المنطقة التي لا يملكها أيّ منهما وحده: برنامج قصير، بمحتوى تدريبي، يُراد له أن يُحتسب في مسار أكاديمي، ويقدّمه ممارس من القطاع لا عضو هيئة تدريس.

ومن لا يملكه أحد لا يتقدم. ليس لسوء نية، بل لأن كل طرف يصنّفه خارج نطاقه. فيبقى التكامل اعتماداً على حسن النية والعلاقات الشخصية، وهذه لا تبني منظومة ولا تُورَّث عند تغيّر الأشخاص.

وهذا نمط معروف في الحوكمة، لا خاص بهذا الملف. فحين يقع عمل على حدّ بين إدارتين، تنشأ له ثلاث مصائر: إما أن تتنازعه الإدارتان، وهو الأندر؛ أو أن تدفعه كل واحدة إلى الأخرى؛ أو أن يُنجز بجهد شخصي من موظف متحمس، فيسير ما دام باقياً ويتوقف بانتقاله. والمصيران الأخيران هما الغالب. والعلاج في الحالات الثلاث واحد: لا يُحلّ الالتباس بدعوة إلى التعاون، بل بتسمية مالك وتفويضه.

التنسيق، حين لا يكون مسؤولية أحد بالاسم، لا يحدث.

لماذا الممارس شرط لا إضافة

أما إشراك العاملين في سوق العمل فليس تحسيناً اختيارياً. هو شرط في صحة المؤهل المصغّر نفسه.

الفجوة التي يُراد سدّها فجوة في ممارسة، لا في معرفة. والمعرفة متوافرة في المقررات والكتب والمنصات. ما ينقص هو ما يعرفه من يمارس: الاشتراط التنظيمي الذي تغيّر هذا العام، والخطأ الذي يتكرر في الملفات، والأداة التي تُستعمل فعلاً في المكاتب لا التي تُدرَّس. وهذه لا تُنقل إلا ممن يعيشها.

ولهذا تحديداً يكتسب إطلاق الرخص التخصصية أهميته: صار للممارس بابٌ نظاميّ يدخل منه إلى التدريب المعتمد، بشهادة من جهته المهنية. وبقي الباب الثاني: أن يُقبل داخل الجامعة، في برنامج يُحتسب، لا متحدثاً ضيفاً في لقاء مفتوح.

وفي عملي على توصيف البرامج ونواتج التعلم، أسهل ما يُكتب عنوان البرنامج، وأصعبه ناتج تعلم قابل للقياس. والبرامج التي يشارك ممارس في تصميمها تعبر هذا الاختبار أسرع، لأن سؤاله الأول عملي: ما الذي سيستطيع المتدرب أداءه بعد ستة أسابيع؟

حلقة الوصل: ثلاث وظائف ومسؤول واحد

أولاً: التسكين. مرجع واحد يبتّ في موضع المؤهل المصغّر من مستويات الإطار ونواتج تعلمه، فلا يبقى التسكين اجتهاداً تختلف فيه جهتان عن البرنامج نفسه.

ثانياً: الاحتساب المتبادل. قواعد معلنة لاحتساب ما أُنجز في برنامج تدريبي معتمد ضمن مسار أكاديمي، وبالعكس. وهذا هو «نظام التنقل» الذي سمّته وثيقة البرنامج الوطني. وبدونه تبقى الشهادة ورقة مغلقة.

ثالثاً: مسار الممارس. اشتراطات واضحة لمشاركة المرخّص مهنياً في تقديم برامج الجامعة المعتمدة، ومعالجة ما يترتب عليها من تعاقد وملكية فكرية وتقييم.

وهذه الوظائف الثلاث لا تحتاج هيئة جديدة ولا نظاماً جديداً. تحتاج جهة مسمّاة داخل الهيئة، بتفويض مكتوب من مركزيها، وتقرير دوري معلن. فالتنسيق الذي لا يُسأل عنه أحد يتحول إلى اجتماعات ودّية بلا قرار.

وللجامعات في هذا مصلحة مباشرة لا تخفى. فنظام الجامعات يتيح لها أن تتقاضى مقابلاً مالياً لتنمية إيراداتها الذاتية. والبرنامج القصير المسكّن القابل للاحتساب يتحول من إيراد موسمي يُباع مرة، إلى مسار يعود المشترك فيه ليكمل. ومن يبيع الأول يحصل على دخل هذا العام فقط.

قياس واعتراض

قِس موقعك بسؤال: لو أراد موظف أنهى برنامجاً تدريبياً معتمداً أن يحتسبه في مسار أكاديمي لديكم، فهل لديه إجابة مكتوبة، أم جواب يختلف باختلاف من يُسأل؟

وأقوى اعتراض على ما سبق أن إضافة وظيفة تنسيق تعني طبقة تنظيمية جديدة، وأن ما يحتاجه هذا المجال هو السرعة لا الإجراءات. والحجة وجيهة: سوق التدريب لا ينتظر دورة اعتماد تستغرق فصلين، والمرونة هي ما يجعل البرنامج قابلاً للبيع أصلاً.

والرد أن الاعتراض يفترض أن البديل هو الانسياب، والبديل الواقعي هو الغموض. فالجهتان تجتهدان اليوم في المنطقة الرمادية نفسها، وكل اجتهاد يستهلك وقتاً أطول مما تستهلكه قاعدة مكتوبة. الوصلة الناقصة لا تضيف خطوة؛ هي تحوّل خطوة قائمة من تفاوض متكرر إلى قاعدة تُقرأ مرة.

ويبقى توتر لا أدّعي حسمه: كل قاعدة تُكتب اليوم ستقيّد تجربة لم تنضج بعد. والأدلة، كما سبق، ما زالت ناقصة. فالقاعدة الصحيحة في هذه المرحلة قاعدة إجرائية تحدد من يقرر وفي أي مدة، لا قاعدة موضوعية تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض. ومن يبدأ بالثانية قبل أن تنضج التجربة يغلق باباً لم يُفتح بعد.

المصادر

  1. صحيفة اليوم، خبر إطلاق هيئة تقويم التعليم والتدريب عبر مركز «مسار» المرحلة الأولى للرخص المهنية التخصصية للمدربين، ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦. يسند عدد المجالات والجهات الشريكة وأسماءها، والمجالات المشمولة. https://www.alyaum.com/articles/6681986
  2. وكالة الأنباء السعودية، خبر إطلاق الإصدار الثالث من الإطار الوطني للمؤهلات، ٥ يوليو ٢٠٢٦. يسند إدراج المؤهلات المهنية وشهادات البرامج القصيرة والشهادات الاحترافية، وتطوير آلية احتساب الساعات المعتمدة وساعات التعلم، والمواءمة مع الأطر الدولية. https://www.spa.gov.sa/N2627504
  3. هيئة تقويم التعليم والتدريب، وثيقة الإطار الوطني للمؤهلات، الإصدار الثالث ٢٠٢٦. يسند مستويات الإطار وضوابط تسكين المؤهلات فيها. https://etec.gov.sa/l/ENCOS
  4. برنامج تنمية القدرات البشرية، وثيقة خطة التنفيذ، أحد برامج رؤية السعودية ٢٠٣٠. يسند التشخيص الرسمي: ضعف المواءمة بين مخرجات التعليم العالي والتدريب التقني والمهني ومتطلبات سوق العمل، وغياب نظام موحد ومرن للتنقل بين المسارات وإطار موحد للاعتراف. https://www.vision2030.gov.sa/media/vp4j15ya/hcdp-delivery-plan_ar.pdf
  5. دورية فرونتيرز للتربية، مراجعة نطاقية للمنظومات الوطنية للمؤهلات المصغّرة التراكمية في التعليم العالي، ٢٠٢٦. يسند بقاء هذه المؤهلات هامشية بالنسبة إلى المسارات الرسمية وأثر ذلك، ودور أطر المؤهلات الوطنية في الاتساق والشرعية، ودور مشاركة أصحاب العمل في تحديد الكفايات. https://www.frontiersin.org/journals/education/articles/10.3389/feduc.2026.1793357/full
  6. دورية فرونتيرز لعلوم الحاسب، مراجعة المؤهلات المصغّرة في التعليم العالي، أكتوبر ٢٠٢٦. يسند محدودية الأدلة الطولية، والمشكلات الثلاث: تذبذب اعتراف أصحاب العمل، وضمان الجودة، وغياب المعايير الموحدة. https://www.frontiersin.org/journals/computer-science/articles/10.3389/fcomp.2026.1853493/full
  7. نظام الجامعات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٢٧)، هيئة الخبراء بمجلس الوزراء. يسند أن للجامعة أن تتقاضى مقابلاً مالياً لتنمية إيراداتها الذاتية، وأن إقرار اللوائح المنظمة لذلك من اختصاص مجلس الأمناء. https://laws.boe.gov.sa/BoeLaws/Laws/LawDetails/8ee74282-7f0d-49ff-b6ee-aafc00a3d801/1
شارك المقال
كل المقالات