أفق التعليم

9 ربيع الآخر 1448هـ 20 سبتمبر 2026م 7 دقائق قراءة

من بيت مفتوح إلى جامعة مفتوحة

لماذا يبدو اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن أدق وصفاً للجامعة السعودية الإلكترونية من اسمها الأول.

سمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن
سمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن

في الثامن عشر من سبتمبر ٢٠٢٦ صدر توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على ما رفعه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بإطلاق اسم صاحب السمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود على الجامعة السعودية الإلكترونية، لتصير جامعة الأمير مساعد بن عبدالرحمن. وجاء التوجيه تقديراً لما قدّمه سموه بوصفه أحد رجالات الدولة الذين كانت لهم إسهامات وطنية مشهودة.

الجامعة التي تبدّل اسمها ليست صغيرة ولا فتية على نحو يجعل التبديل هيّناً. تأسست عام ٢٠١١، ولها ثلاثة عشر فرعاً إلى جانب مقرها في الرياض، وبلغ عدد طلابها في الفصل الثاني من العام الدراسي ٢٠٢٢-٢٠٢٣ ستة وعشرين ألفاً وأربعمئة وستة وثلاثين طالباً وطالبة.

الخبر يقول ما حدث. وما لا يقوله أن هذا الاسم، لمن يعرف سيرة صاحبه، أدقّ وصفاً لما تفعله الجامعة من الاسم الذي حملته خمس عشرة سنة.

البيت الذي فُتح للناس

عُد بالرياض إلى عام ١٣٦٣ الموافق ١٩٤٤. مدينة من طين، لا مكتبة عامة فيها، وكتبها متفرقة في بيوت أصحابها. في تلك السنة خصص الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وهو في الرابعة والعشرين، جانباً من بيته لمجموعته من المطبوعات، وأتاح لكل زائر حق الانتفاع بها. هكذا بدأ عهد الرياض بالمكتبات العامة: لا بمبنى ولا بميزانية، بل بغرفة في بيت رجل قرر أن ما يملكه من ورق ليس ملكه وحده.

ولم تكن غرفة صامتة. كان طلبة العلم يختلفون إليه فيها، يقرأون ويناقشون ويسمع منهم ويحاورهم. الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير يصف تلك المرحلة بأنها التي مكّنته علمياً وثقافياً، إذ تهيأت له فرصة أن يقرأ ويستوعب، وأن يفيد من الذين يقصدونه.

ثم خرج الرجل من مكتبته إلى الدولة. أُسندت إليه مهمة إنشاء ديوان المظالم وتنظيمه فكان أول رئيس له عام ١٩٥٤، ثم صار أول رئيس لديوان المراقبة العامة بمرسوم ملكي عام ١٩٥٧. جهازان يقومان على فكرة واحدة: أن تكون الأمور مكشوفة لمن له حق الاطلاع عليها. الرجل الذي فتح مكتبته للناس هو نفسه الذي وضع أسس أن تُراجَع حسابات الدولة وأن تُسمع تظلمات الناس.

وحين توفي عام ١٩٨٧، تبرّع أبناؤه بمكتبته لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. المكتبة التي بدأت في بيت انتهت في جامعة. وهذا وحده كان كافياً لتفسير التسمية. لكن في القرار ما هو أبعد من المناسبة الرمزية.

الصفة التي فقدت معناها

حين سُمّيت الجامعة «الإلكترونية» عام ٢٠١١ كان في التسمية دعوى. كانت تعني أن هنا شيئاً مختلفاً عمّا في بقية الجامعات: نمط دراسة آخر، وطالباً آخر، وقاعة ليست قاعة. كان الوصف يفرز.

اليوم لا يفرز. فقد صدرت القواعد التنفيذية للائحة التعليم الإلكتروني عن المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، المعتمدة بقرار مجلس إدارته رقم (٦/١٧/٤٦) وتاريخ ١١/٥/١٤٤٦هـ، ونصّت على أن الشهادات الممنوحة من برامج التعليم الإلكتروني المرخصة معادلة للشهادات الممنوحة في التعليم الاعتيادي، وتحظى بالاعتراف نفسه، ولا يجوز التمييز بينهما، ولا الإشارة إلى نمط التعليم في الشهادة أصلاً.

والجامعات الحضورية نفسها لم تعد حضورية خالصة. تشترط القواعد التنفيذية للائحة الدراسة والاختبارات في جامعة أم القرى، مثالاً، أن تحتوي الخطة الدراسية على مقررات تُقدَّم بأنماط مختلفة عن النمط الحضوري، لا تقل في مجموعها عن عشرة بالمئة ولا تزيد على عشرين بالمئة من مجموع المقررات. وقبل ذلك بسنوات كان المركز الوطني قد أعلن في يناير ٢٠٢٣ أن عدد الجهات المرخصة بلغ ٣٣١ جهة، والبرامج المرخصة ٨٠٤ برامج في التعليم والتدريب الإلكتروني.

صفة تصف الجميع لا تصف أحداً. والأنظمة نفسها صارت تمنع التمييز بالنمط، فبقي الوصف في اللافتة وحدها بعد أن غادر الواقع.

وليس هذا عيباً في التسمية الأولى، بل أثر من آثار نجاحها. الجامعة التي أُنشئت لتثبت أن التعليم الإلكتروني ممكن وموثوق شهدت أن دعواها صارت قاعدة عامة، ومن أثبت دعواه لم يعد محتاجاً إلى أن يحملها في اسمه. الوصف الذي كان علامة ريادة عام ٢٠١١ صار عام ٢٠٢٦ وصفاً لحال القطاع كله، وهذه أفضل نهاية يبلغها وصف.

ما تفعله الأسماء

التسمية التذكارية ليست زينة تُضاف على مؤسسة قائمة. يرى عالم الجغرافيا الثقافية معاذ أزريهو، في دراسته المنشورة عام ١٩٩٦ عن قوة أسماء التذكار، أن هذه الأسماء آلية تُدخل الرواية الوطنية للماضي في تفاصيل الحياة اليومية، فيتكرر الاسم على الألسنة والأوراق حتى يصير مألوفاً لا يُسأل عنه. الاسم يعمل وهو ساكن.

ومن الجهة الإدارية، درس موزيليك ولامبكين عام ٢٠٠٦ مئة وستاً وستين مؤسسة غيّرت اسمها، وخلصا إلى أن التغيير قد يهدم القيمة المتراكمة للاسم أو ينقلها أو ينشئ قيمة جديدة، والفرق بين المآلات الثلاثة يصنعه ما يُبنى على الاسم بعد إعلانه، لا الإعلان ذاته.

فالتسمية إذاً اختيار لما نريد أن يُذكر كل يوم. والسؤال ليس: هل يستحق الرجل؟ بل: ماذا يضيف اسمه إلى المؤسسة التي تحمله؟

من الأداة إلى الرسالة

هنا تظهر حكمة الاختيار. الاسم القديم كان يعرّف الجامعة بأداتها، والأداة تتقادم، وقد تقادمت فعلاً حين صارت أداة الجميع. أما الاسم الجديد فيعرّفها برسالتها، والرسالة لا تتقادم.

ما الرسالة؟ أن تصل المعرفة إلى من لا يستطيع الوصول إليها. هذه الجامعة تقبل طلاباً من مختلف الأعمار بقواعد قبول مرنة لا تقيّدها سنة الحصول على الثانوية، وهي بذلك تفتح باباً لمن أغلقه عليه الوقت أو العمل أو المكان. وقبل ثمانين عاماً فتح رجل باب بيته لمن لم يكن يملك كتاباً، وسمح لكل زائر أن ينتفع بما عنده. المعنى واحد، والوسيلة وحدها تبدّلت: من رفوف في غرفة إلى شاشات في ثلاثة عشر فرعاً.

القرار لم يُلغِ الطابع الرقمي للجامعة، بل حرّره من أن يكون هويتها. تبقى الجامعة إلكترونية في عملها، لكنها لم تعد إلكترونية في تعريفها بنفسها. وهذا فرق يصنع الفارق حين تتغير التقنية مرة أخرى، وستتغير.

ثلاثة مبادئ لمن يسمّي مؤسسة

لا تُسمِّ مؤسسة بأداتها. الأداة أقصر عمراً من المؤسسة دائماً. ومن سمّى جهته بوسيطها التقني اشترى تمييزاً مؤقتاً بثمن مراجعة لاحقة.

اجعل في الاسم ما لا يتقادم. الرسالة والمكان والذاكرة الوطنية كلها أطول عمراً من الوسائط. والاسم الذي يحتمل التفسير مرة بعد مرة أبقى من الاسم الذي يستنفده تفسير واحد.

أتبع الاسم بسيرة تُروى لا بلافتة تُعلّق. التكريم يكتمل حين يعرف طالب في الفرع الثالث عشر من هو الرجل الذي يدرس في جامعته. وهذا يُصنع بتوثيق سيرته، وبكرسي علمي، وبمكتبة رقمية مفتوحة باسمه، تعيد اليوم ما صنعه هو في غرفة من بيته.

قياس واعتراض

اسأل نفسك سؤالاً واحداً: لو حذفت من اسم جهتك كل ما يصف أدواتها، فماذا يبقى؟ إن بقي شيء فأنت في مأمن من تقادم الوسائط. وإن لم يبقَ شيء فاعلم أن اسمك يصف عاماً واحداً من عمر مؤسستك لا عمرها كله.

ويبقى اعتراض قوي يستحق أن يُقال بإنصاف: الاسم الوصفي كان يخدم الطالب. كان يخبره قبل أن يسأل بأن هذه جامعة تُدرَس عن بعد، وأن له أن يجمع بينها وبين عمله. واسم العَلَم لا يقول ذلك، فينتقل عبء التعريف من الاسم إلى الحملة التعريفية، وهذا عبء حقيقي.

والرد أن الدلالة لم تُحذف، بل انتقلت من الاسم إلى النظام. الطالب اليوم لا يعرف نمط الدراسة من اسم الجامعة، بل من بوابة القبول ومن الرخصة ومن الخطة الدراسية. وقد بلغ الأمر أن الشهادة نفسها لم تعد تُشير إلى النمط بحكم اللائحة. الاسم الوصفي لم يكن ليبقى دالاً، بل كان في طريقه إلى أن يصير مضللاً: يوحي بأن الجامعة وحدها تفعل ما صارت الجامعات كلها تفعله.

وبين اسم يصف أداة فقدت تمييزها، واسم يصف رجلاً فتح بيته ليقرأ الناس، ليس الاختيار عسيراً.

المصادر

١. وكالة الأنباء السعودية، خبر التوجيه الملكي بإطلاق الاسم، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦. يسند تاريخ المرساة ونصّ التوجيه. https://www.spa.gov.sa/

٢. صحيفة الشرق الأوسط، تغطية القرار وسياقه، سبتمبر ٢٠٢٦. تسند صفة الأمير بوصفه أخا الملك المؤسس ودوافع التكريم. https://aawsat.com/

٣. السعوديبيديا، مادة الجامعة السعودية الإلكترونية، وزارة الإعلام. تسند سنة التأسيس وعدد الفروع وعدد الطلاب ومرونة قواعد القبول. https://saudipedia.com/ar/

٤. المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، القواعد التنفيذية للائحة التعليم الإلكتروني، قرار مجلس الإدارة (٦/١٧/٤٦) وتاريخ ١١/٥/١٤٤٦هـ. تسند معادلة الشهادات ومنع الإشارة إلى نمط التعليم. https://nelc.gov.sa/

٥. وكالة الأنباء السعودية، خبر تجاوز التراخيص، ١٦ يناير ٢٠٢٣. يسند رقمي ٣٣١ جهة و٨٠٤ برامج مرخصة. https://www.spa.gov.sa/w1840305

٦. جامعة أم القرى، القواعد التنفيذية للائحة الدراسة والاختبارات للمرحلة الجامعية. تسند نسبة المقررات بالأنماط غير الحضورية بين عشرة وعشرين بالمئة. https://uqu.edu.sa/App/Regulations/1480

٧. ويكيبيديا العربية نقلاً عن كتاب عبدالرحمن الشبيلي عن الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وعن شهادة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير. تسند سنة ١٣٦٣هـ وفتح المكتبة للزوار وشهادة ابن جبير. https://ar.wikipedia.org/wiki/مساعد_بن_عبد_الرحمن_بن_فيصل_آل_سعود

٨. صحيفة الوئام، مادة عن سيرة الأمير مساعد ومناصبه، سبتمبر ٢٠٢٦. تسند رئاسته الأولى لديوان المظالم عام ١٩٥٤ وديوان المراقبة العامة بمرسوم ١٩٥٧. https://www.alweeam.com.sa/

٩. Azaryahu, M. (1996). The Power of Commemorative Street Names. Environment and Planning D, 14(3). يسند الإطار النظري لعمل الأسماء التذكارية. https://journals.sagepub.com/doi/10.1068/d140311

١٠. Muzellec, L. & Lambkin, M. (2006). Corporate rebranding: destroying, transferring or creating brand equity? European Journal of Marketing, 40(7/8). يسند عدد الحالات المدروسة ومآلات تغيير الاسم. https://doi.org/10.1108/03090560610670007

Content

1789899689828_image.png

شارك المقال
كل المقالات