الجامعة في مواجهة تقنيات العصر
الجامعة لن تموت، لكنها تحتاج إعادة تعريف دورها في عصر التقنية
منذ سنوات قليلة، كان مجرد التساؤل عن جدوى الجامعة ضربًا من الهرطقة الفكرية. أما اليوم، فقد باتت الشركات الكبرى تُعلن صراحةً أنها لا تشترط شهادة جامعية لشغل وظائف محورية، فيما يتسابق خريجون أمضوا سنوات وأموالًا طائلة في الحصول على درجاتهم العلمية لاجتياز اختبارات مهارية يتفوق فيها عليهم أحيانًا شاب أمضى أشهرًا أمام شاشة حاسوبه. ليس هذا إعلانًا بموت الجامعة، لكنه بالتأكيد إنذار بأن نموذجها الراهن لم يعد يُحكم القبضة على المستقبل كما كان.
وجود الجامعة لا يعد مشكلة بحد ذاته، بل فيما تفترضه عن نفسها. فهي لا تزال تتصرف وكأن معرفة 2025 يمكن تأطيرها في مناهج صِيغت في مطلع الألفية، وكأن سوق العمل ينتظر خريجيها بنفس الثقة التي كان عليها قبل عقدين. الحقيقة أن الفجوة بين ما تُنتجه الجامعات وما يحتاجه الاقتصاد الرقمي تتسع بسرعة تتجاوز قدرة أي لجنة مناهج على ملاحقتها. وهذا ليس إخفاقًا في النوايا، بل هو أزمة بنيوية في طريقة عمل المؤسسة ذاتها.
ما يزيد الأمر تعقيدًا أن الذكاء الاصطناعي لم يدخل الجامعة كمساعد تعليمي فحسب، بل دخلها كسؤال وجودي. فحين يستطيع الطالب أن يحصل خلال دقائق على شرح مُفصَّل لمفهوم قانوني أو طبي أو هندسي، يفوق ما قد يقدمه أستاذ في محاضرة مدتها ساعة، فإن الدور التقليدي للجامعة بوصفها بوابة الوصول إلى المعرفة يفقد مسوّغه. لم تعد المعرفة شحيحة، بل باتت متاحة بسخاء مدهش، وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال الحقيقي: ما الذي تستطيع الجامعة تقديمه بعد الآن؟
ثلاثة أشياء لا تستطيع أي خوارزمية أن تمنحها: التحقق الاجتماعي للكفاءة، والانتماء إلى شبكة علاقات مهنية، والتجربة الإنسانية للتفكير النقدي في بيئة تحدٍّ جماعي. لكن المفارقة أن الجامعات تُهدر هذه الميزات حين تُغرق طلابها في مقررات تلقينية وامتحانات حفظ. فإن كان التفوق في الحفظ هو ما يُميز خريجيها، فقد خسرت المعركة أمام تقنيات العصر، ناهيك عن نماذج اللغة الحديثة.
الدول التي تُدرك هذا التحول تتحرك في اتجاهين متوازيين: أولهما الضغط على الجامعات لإعادة تصميم نفسها لا ترقيع مناهجها، وثانيهما بناء منظومات اعتراف بالمهارات خارج إطار الشهادة التقليدية. الشهادات المصغرة، وبرامج الاعتماد المهني القصيرة المُرتبطة بالصناعة، والتعلم القائم على المشاريع الحقيقية؛ كلها تُشكّل نظامًا موازيًا لا يزال ناشئًا لكنه يكتسب شرعية متصاعدة. والجامعات التي تتعامل مع هذه البدائل بازدراء ستجد نفسها بعد عقد في موقف لا تُحسد عليه.
غير أن ثمة تحذيرًا ضروريًا في مواجهة حماسة “إلغاء الجامعة”: فالشهادة المصغرة لا تُربّي، بل تُدرّب. والفرق جوهري. الجامعة في أفضل تجلياتها ليست مكانًا لاكتساب المهارة وحدها، بل فضاء لتشكيل طريقة التفكير، للمواجهة مع أفكار غير مرغوبة، للتعلم من الخطأ في بيئة آمنة نسبيًا. إن اختزلنا التعليم في مخرجات سوق العمل فحسب، فربما ننتج متخصصين ناجحين لكننا نعجز عن تكوين مواطنين قادرين على فهم عالمهم والتعامل مع تعقيداته.
المسألة إذن ليست “الجامعة أو التقنية”، بل هي كيف تُعيد الجامعة تعريف دورها في ضوء ما باتت التقنية قادرة عليه. الجامعة التي ستنجو وتزدهر هي التي ستتوقف عن المنافسة فيما تخسر فيه - وهو نقل المعلومة - وتستثمر بجدية فيما لا تستطيع الخوارزمية أن تحل محلها فيه: بناء الحكمة، وتنمية التفكير المركّب، وتكوين الإنسان القادر على توجيه التقنية لا مجرد استخدامها. وهذا التحول لا يحتاج إلى تمنيات، بل إلى قرارات مؤسسية جريئة تبدأ بالاعتراف بأن النموذج الراهن لم يعد كافيًا.